( والمجاز الآخر ) قوله عليه الصلاة والسلام : بين يدي موته .
ولا يد للموت على الحقيقة . ولكنها كناية عن الشئ الواقع أمام
الشئ المتوقع . وقد تكلمنا على هذا المعنى في كتاب مجازات القرآن
عند قوله سبحانه في البقرة : " فجعلناها نكالا لما بين يديها
وما خلفها " . وعند قوله تعالى في سبأ : " إن هو إلا نذير لكم
بين يدي عذاب شديد " . وذلك كما تقول : لمن يسأل عن أحد
بالعشيرة وهو سالك طريق ، وسائل عن رفيق : ها هوذا بين يديك ،
أي قد تقدمك ، ولا يقال ذلك إلا فيما إذا كنت وراءه ، وهو
أمامك ، لا فيما كنت أمامه وهو وراءك . وكل ذلك إنما يراد به
في الأكثر تقريب الشئ من الانسان حتى كأنه لفاف يده ( 1 )
وقراب ( 2 ) تناوله : كما تقول : هذا الشئ أخذ يدي ، أي ممكن
لها ، وقريب من تناولها .
هامش
( 1 ) قال في القاموس اللفافة بالكسر : ما يلف بها على الرجل وغيرها ، والجمع
لفائف ، ومراد الشريف بلفاف يده أنه متصل به كاللفافة .
( 2 ) قال في القاموس : وقراب الشئ بالكسر وقرابه وقرابته بضمهما ،
ما قارب قدره ، والمراد هنا ما وصل إلى حد تناوله حتى يكون أخذه سهلا .
ما في الحديث من البلاغة :
في قوله : عسله : استعارة تصريحية حيث شبه توفيق العبد إلى العمل الصالح
يوضع العسل فيه واستعمل عسله بدل وفقه إلى العمل الصالح ، وفي قوله : بين يدي
موته استعارة بالكناية حيث شبه الموت بشخص له يدان وحذفه ورمز له بشئ
من لوازمه وهو اليدان وإثبات الدين للموت تخييل ، فقول الشريف : " ولكنها
كناية عن الشئ " ليس معناه الكناية الاصطلاحية ، وإنما معناه الاستعارة
بالكناية .