ابن العباس وابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يسألانه عن
أبويهما السقاية ( 1 ) فتواكلا الكلام ( 2 ) ، فقال عليه الصلاة والسلام :
" أخرجا ما تصران " ( 3 ) . وفي هذا القول استعارة لأنه عليه السلام
أراد أظهرا ما تكتمان في قلوبكما وصرحا بما تلجلج به ألسنتكما ،
فجعل القلب بمنزلة الوعاء والكتمان بمنزلة الوكاء ( 4 ) ، والامر المكتوم
بمنزلة الشئ الموعى ( 5 ) . وكل شئ جمعته فقد صررته ، ومنه قيل
للأسير مصرور إذا جمعت يداه بالغل ( 6 ) وقدماه بالحجل .
هامش
( 1 ) أي يسألانه أن ينوب كل منهما عن أبيه في تولى سقاية الحجاج ، وكانت
سقاية الحجاج من مظاهر الشرف عند العرب في الجاهلية ، وكانوا يعتبرونها عملا
يؤهل للرياسة في الاسلام أيضا وقد رد الله عليهم يقوله " أجعلتم سقاية الحاج
وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ؟ لا يستوون
عند الله " .
( 2 ) تواكلا الكلام : أي طلب كل منهما من صاحبه أن يتكلم نيابة عنه كأنه
جعله وكيلا عنه أو توكل عليه في بيان ما يريد .
( 3 ) صر المتاع : وضعه في الصرة وهي كيس يوضع فيه الشئ ويصر أي يربط
حتى يحفظ ما فيه . والمعنى الوضعي لهذا اللفظ أخرجا ما تخفيانه من شئ في الصرة .
( 4 ) الوكاء : الرباط الذي يربط به المتاع ، وفي الحديث : العينان وكاء السه
فمن نام فليتوضأ .
( 5 ) الموعى : أي الموضوع في الوعاء ، اسم مفعول من أوعى بمعنى وضع
الشئ في الوعاء .
( 6 ) الغل : القيد يوضع في اليد أو في العنق ، والحجل القيد أيضا ، ولكنه
يستعمل في الرجل لأنه يكون كالخلخال ، والخلخال يسمى الحجل .
ما في الحديث من البلاغة :
استعمال تصران بدل تكتمان استعارة تصريحية حيث شبه الكتمان بصر المتاع
والقرينة ، أنهما تواكلا الكلام .