مساغا للأقوال المختلفة ، والانباء المتضادة ( 1 ) ويكون قوله عليه
الصلاة والسلام : المصرين ، تماما لهذا المعنى المراد ، ومبالغة في وصف
هؤلاء بالمذمومين بكثرة استماع الأقوال ، فيكون ذلك من قولهم :
أصر الفرس أذنيه إذا نصبهما للتوجس ، لأنه يقال : أصر أذنيه ،
وصر بأذنيه ( 2 ) . وهذا التأويل لم أعلم أحدا سبقني إليه .
8 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام حين أتاه الفضل
هامش
( 1 ) المعنى أنهم يسمعون كل قول ولا يأبونه كما يقبل القمع كل سائل يوضع
فيه ولا يأباه .
( 2 ) فيكون المعنى : ويل للمصرين آذانهم للاستماع ، أي الذين ينصبونها
للتوجس والتقاط الاخبار ، ولكن هذا المعنى لا يتلاءم مع بقية الحديث
ذكرناه وهو " الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " فلا معنى لنصب الاذنين
على الفعل الذي فعلوه ، والمناسب أن يكون يصرون مأخوذا من قولهم : " ناقة
مصرة " وهي التي لا تدر اللبن فهي باقية على حالها لا تتغير عنه ، كما أن الثابتين على
فعلهم السئ الذين لا يتحولون ؟ ؟ عنه إلى فعل الخير كذلك ، فيكون معنى ويل
للمصرين ، ويل للثابتين المقيمين على السوء ، ويترتب على ذلك أن يكون النهى في
الحديث على المعنى الثاني عن شيئين هما استماع كل قول ، والاصرار على الفعل
السئ وعدم التحول عنه ، أما على المعنى الأول فيكون النهى عن شئ واحد
وهو استماع كل قول والاصرار له ، أي نصب الاذن له والتلهف عليه ، ولذلك قال
الشريف فيكون المصرين ثماما لهذا المعنى ، ولا شك أن المعنى الذي ذكرناه أولى .
ما في الحديث من البلاغة :
في أقماع القول استعارة تصريحية سبق بيان التشبيه فيها حيث استعمل كلمة
أقماع في الناس الذين يستمعون كل قول وذكر القول قرينة ، وفي استعمال المصرين
في الذين لا يتحولون عن فعلهم ، استعارة تصريحية حيث شبه الناس بالناقة المصرة
التي لا تدر ، وهذا على المعنى الذي ذكرناه أما على المعنى الذي ذكره الشريف فيكون
شبه شدة الحرص على السماع بنصب الفرس أذنيه واستعمال المصرين في ذلك
استعارة تصريحية أيضا .