الصلاة والسلام جعل اهتياج الطبع ، واحتدام الغيظ ، بمنزلة الجمرة
التي تتوقد في جوف الانسان ، فيظهر أثر اتقادها في احمرار عينيه ،
واختناق وريديه ، فلا تزال كذلك حتى يطفئها برد الرضا ، أو
عواطف الحلم والبقيا ( 1 ) .
161 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " العلم رائد ،
والعدل سائق ، والنفس حرون " وهذا الكلام مجاز ، وذلك
أنه عليه الصلاة والسلام شبه علم الانسان بالرائد الذي يتقدم أمام الحي
فيدلهم على المنزل الوسيع ، والمرعى المريع ، لان العلم يأخذ بصاحبه
إلى المناجى ( 2 ) ، ويعدل به عن المغاوى ( 3 ) ، وشبه العقل بالسائق
يحث الانسان على سلوك النهج الأسلم ، وبحمله على الذهاب في الطريق
الأقوم ، وشبه النفس بالدابة الحرون ( 4 ) ، لأنها تتقاعس ( 5 ) عن
هامش
( 1 ) البقيا : البقاء : أي لولا عواطف البقاء : أي الحياة .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الغضب بجمرة تتوقد في جنب ابن آدم بجامع
إحداث الألم وظهور الأثر في العينين والأوداج ، وحذف وجه الشبه والأداة .
( 2 ) المناجى جمع منجاة : وهي مكان النجاة .
( 3 ) المغاوى جمع مغواة : وهي مكان الغواية .
( 4 ) الدابة الحرون : هي التي إذا أريد جريها وقفت ، والمصدر الحران بوزن
كتاب ورغاء ، يقال حرنت الدابة تحرن من باب نفر وكرم ، والحران خاص
بذوات الحافر .
( 5 ) تتقاعس : تتراجع .