وعرف طريقتهم ، وقد فسر أيضا قول الآخر :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني ( 1 )
على مثل هذا المعنى ، فكأنه توعدهم عند إلقاء العمامة ببادرته ،
وأن يفيض عليهم ما يستجمه ( 2 ) من مثابة سطوته . وقوله : تعرفوني
ليس يريد العرفان الذي هو ضد الانكار ، وإنما أخرجه مخرج
الوعيد ، وأطلعه مطلع التهديد ، كما يقول القائل لغيره إذا أراد هذا
المعنى : ستعرفني أو أما تعرفني ، والمراد ستعرف عقوبتي ، أو أما تعرف
غضبى وسطوتي ( 3 ) .
157 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " المجاهد
من جاهد نفسه " وهذا مجاز ، والمراد من امتنع من مواقعة المعاصي
هامش
( 1 ) يستجمه : أي يخزنه ويدخره ، وأصل المثابة من البئر منلغ جموم مائها
أي اجتماعه ، أي ما يخزنه مما اجتمع من سطوته .
( 2 ) ابن جلا : هو الرجل الواضح الامر ، أي أنا رجل معروف أمرى مشهور
بالقوة والردع ، وقد شرح الشريف وضع العمامة بمعنى ذهاب الحلم ، وهذا أحسن
مما شرح به غيره من وضع العمامة معناه لبس لامة الحرب ، لأنه يريد أن يقول
لأهل العراق : لا تخرجوني عن حلمي فإنني إذا خرجت عن حلمي عرفتم مبلغ تنكيلي
بكم وبطشي .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيهان بليغان ، حيث شبه الحبوة وهي ما يجمع به الساقان إلى الظهر
من عصابة ونحوها ، بالحائط الذي يستند إليه الانسان فلا يميل ، ويكون ثابتا في مجلسه
بجامع الثبات في كل ، وشبه العمامة بالتاج في كونها زينة الرأس كما أن التاج زينة
الرأس وحذف وجه الشبه وأداته .