عليه الصلاة والسلام شغور ( 1 ) دم العرق وتواتره بصوت الصائح المنوه
من وجهين ، لارتفاع ندائه ، ولتكرير دعائه ، فجعل العرق نعارا للعلة
المذكورة على طريق المجاز والاتساع . وقال بعض أهل اللغة : يقال
نعر العرق نعرا ونعرانا إذا اهتز بالدم ولم يرقأ ، فإن كان الامر على
ما قال ، فقد خرج الكلام عن باب المجاز إلى حيز الحقيقة ( 2 ) .
86 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من كانت
الدنيا همه وسدمه ( 3 ) جعل الله فقرا بين عينيه " ، وهذا الكلام
مجاز ، والمراد به أن من جعل الدنيا همه ، وقر عليها باله ، وأعرض
عن الآخرة بوجهه ، وأخرج ذكرها من قلبه ، وأقبل على تثمير
الأموال ( 4 ) ، واستضخام الأحوال ، عاقبه الله على ذلك بأن يزيده
هامش
( 1 ) شغور دم العرق ، شدة دفعه وضربه حتى يسمع له صوت ، وهو ضد
سكون العرق الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سابق .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية حيث شبه شدة دفع الدم في العرق بالصوت العالي واشتق
من التنعير بمعنى التدفق نعار بمعنى متدفق شديد الدفع على طريق الاستعارة التبعية .
( 3 ) السدم : من معانيه الهم ، فيكون العطف من عطف المترادفات ومن معاثيه
اللهج بالشئ ، وهو أن يغرى الشخص به ويثابر عليه ، ويكثر من ذكره بقلبه
وبلسانه ، وهذ أنسب لمعنى الحديث .
( 4 ) المراد بالاقبال على تثمير الأموال يجب تقييده بتثميرها طلبا للمباهاة بها
والاستعلاء على عباد الله ، أما من يثمر الأموال يريد بها صالح الجماعة الاسلامية
فهذا محبوب من الله ومن الناس ، مجزى خيرا على عمله بإذن الله .