حمات ( 1 ) السخائم ، ويفسخ عقود العزائم ، ويكبح الجامح حتى
يرجع ، ويسف ( 2 ) بالمحلق حيت يقع ، ويعود بالخصم الضالع ( 3 ) موافقا ،
وبالضد الابعد مقاربا . والسحر في الأصل هو التمويه والخديعة
والتلبيس والتغطية . وقال بعضهم : السحر ما نقلك من حال إلى حال .
وكانت العرب تعتقد أن السحر يصرف الوجوه ، ويقلب القلوب ،
ويمرض الأجسام ، ويسفه الأحلام ، ويفرق بين المتحابين ، ويجمع
بين المتباغضين . وهذا في الحقيقة نقل من حال إلى حال ، وهو عندنا
باطل إلا أن يراد به ما قدمنا القول فيه من خديعة الانسان بلين القول
وحسن اللفظ ، حتى يرضى بعد اشتطاطه ( 4 ) ، وينثني بعد جماحه .
وهذا الوجه هو الذي ذهب إليه النبي عليه الصلاة والسلام دون
ما يقوله أهل الجهالة وطغام الجاهلية ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الحمات جمع حمة بضم الحاء وفتح الميم : وهي الإبرة التي يضرب بها الزنبور
أو الحية أو العقرب أو يلدغ بها ، والسخائم : جمع سخيمة : وهي الحقد ، والمراد
ينزع دوافع الحقد وأسبابه .
( 2 ) يقال أسف الطائر : دنا من الأرض في طيرانه ، وأسفت السحابة دنت
من الأرض ، والمحلق المرتفع ، والمراد أن الكلام ينزل بالمرتفع إلى أسفل أي
يغير حال المخاطب من التشدد إلى اللين .
( 3 ) الخصم الضالع : المائل المخالف ، ومن معاني الضالع الجائر ، ولكن
المعنى الذي ذكرناه أولى وأنسب بقول الشريف موافقا .
( 4 ) الاشتطاط : مجاوزة القدر المعقول والتباعد عن الحق .
( 5 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تصريحية ، حيث شبه الكلام الحسن بالسحر في تأثيره على
السامع ، واستعمل لفظ المشبه به في المشبه على طريق الاستعارة التصريحية .