أمرى ، فكنى عليه الصلاة والسلام عن ذلك بالشعث تشبيها بالعود
الذي تشعث رأسه وتشظت ( 1 ) أطرافه ، فهو محتاج إلى جامع يجمعه
وشاعث يشعثه . ومن ذلك قول الشاعر يصف النار :
وغبراء شعثاء الفروع منيفة ( 2 ) * بها توصف الحسناء وهي جميل
أراد تفرق أطرافها وتشعث شواظها ( 3 ) .
85 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " أعوذ بالله
من شر عرق نعار " ، وهذه استعارة ، والأصل في ذلك رفع الصوت
يقال : فلان نعار في الفتن ، أي صياح فيها ودعاء إليها . وقال
بعض التابعين وقد صلى خلف مصعب بن الزبير وهو رافع صوته
بالتكبير والتهليل : قاتله الله نعارا بالبدع ، أي صياحا بها ، فشبه
هامش
( 1 ) تشظت أطرافه : أي صارت أطرافه شظايا جمع شظية ، وهي القطعة من
الشئ ، ويقال تشظى العود : تطاير شظايا .
( 2 ) منيفة : عالية مرتفعة ، والمراد أن هذه النار متفرقة عالية توصف بها
الحسناء السمينة في حرارتها وفي ضيائها وفي عظمها .
( 3 ) الشواظ : المراد به هنا دخان النار ، لأنه هو الذي يظهر فيه التفرق
أكثر من تفرق اللهب .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارتان تبعية في تلم ، وتصريحية في شعثي ، أما الأولى فشبه
جمع الامر المعنوي بجمع الأشياء المتفرقة واشتق من لم بمعنى جمع ، الامر تلم بمعنى
تجمع الامر على طريق الاستعارة التبعية ، وشبه تفرق الامر المعنوي بتفرق
العود شظايا ، واستعمل لفظ المشبه به في المشبه على طريق الاستعارة التصريحية ،
ويجوز أن يكون الكلام حقيقة لا مجاز فيه .