فقر نفس وضرع ( 1 ) خد ، فلا تسد مفاقره ( 2 ) كثرة ما جمع وعدد ،
وعظيم ما أثل وثمر ، فكأنه يرى الفقر بين عينيه ، فهو أبدا خائف
من الوقوع فيه ، والانتهاء إليه ، فلا يزال آكلا لا يشبع ، وشاربا
لا ينقع ( 3 ) ، فمعه حرص الفقراء ، وله مال الأغنياء . وقال عليه الصلاة
والسلام : جعل فقرا بين عينيه مبالغة في وصفه بتصور الفقر ، فكأنه
قريب منه ، وغيره غائب عنه ، كما يقول القائل لغيره إذا أراد هذا
المعنى : حاجتك بين عيني ، أي هي متصورة لي وغير غائبة عن قلبي ( 4 ) .
87 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في صفة شاء ( 5 )
ذكرها : " فجاءت به كله قالب لون غير واحد أو اثنين " ، وهذه
هامش
( 1 ) يقال ضرع فلان إلى فلان : إذا ذل واستكان وخضع ، ونسبة الضرع
إلى الخد أبلغ ، لان الخد هو موضع التكريم في الوجه ، فإذا كان ذليلا كان
الجسم كله ذليلا ، وكانت النفس خاضعة مستكينة ، وهذا التعبير يستعمل عند
الناس في هذه الأيام ، إذ يقولون : " جعل خده مداسا " ، أي مكان الدوس
والوطئ بالاقدام .
( 2 ) المعاقر : اللهوات ، وهي داخل الفم ، أي لا يملا فمه .
( 3 ) لا ينقع : أي لا يرتوى ، يقال نفع الماء غلة العطشان : أي رواه .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث مجاز مرسل علاقته المحلية ، حيث أريد بالدنيا أعراضها والدنيا محلها ،
واستعمل لفظ المحل في الحال فيه .
( 5 ) الشاء جمع شاة : أي في صفة شياه ذكرها ، وهذه الشياه هي التي رعاها
موسى عليه السلام لشعيب عليه السلام ، وكان رعيها ثماني حجج مهرا لابنته التي
تزوجها موسى عليه السلام ، وقد سمح شعيب لموسى من نتاح الغنم بما كان لونه
مخالفا للون أمه ، فلم تجئ منها كذلك إلا واحدة أو اثنتان .