تجيب ( 2 ) : " إني لأرجو أن تموت جميعا ، فقال : أوليس الرجل يموت
جميعا يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام تتشعب أهواؤه وهمومه
في أودية الدنيا فلعل أجله يدركه في بعض ذلك فلا يبالي الله في أيها
هلك " ، وفي هذا الكلام مجازان أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام :
إني لأرجو أن تموت جميعا لان الانسان لا يموت إلا جميعا ، وإنما
أراد إني لأرجو ألا يدركك الموت ، وهمومك متقسمة ، وأهواؤك
متشعبة ، فكان يكون متفرقا بتفرق أهوائه ، ومتشعبا بتشعب
آرائه . والمجاز الآخر : قوله عليه الصلاة والسلام في أودية الدنيا ،
وهذه استعارة عجيبة ، لأنه شبه اختلاف طرائق الدنيا ومذاهبها ،
وتباين أحوالها ونوائبها بالأودية المختلفة . فمنها البعيد والقريب ،
والمخصب والجديب ، والواسع والضيق ، والمنجى والمعطب ( 2 ) .
72 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وهو يعنى المدينة :
" أسكنت بأقل الأرض مطرا ، وهي بين عيني السماء : عين
هامش
( 1 ) تجيب بن كندة : بطن من بطون العرب .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث مجازى عقلي واستعارة .
أما المجاز العقلي : فهو إسناد جميعا إلى ضمير الشخص ، والمراد أهواؤه ورعبناته
لان جميعا بمعنى مجموع ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، والعلاقة الظرفية ، لان الانسان
موضع لرغبائه والاستعارة في قوله " أودية الدنيا " والمراد أحوالها حيث شبهت
أحوال الدنيا بالأودية في تشعبها وقربها وبعدها ، واستعير اسم المشبه به للمشبه
على طريق الاستعارة التصريحية .