ذلك . فأما القول بأنه يعلم كل ما يكون ، فلسنا نطلقه ولا نصوب قائله لدعواه فيه
من غير حجة ولا بيان .
فصل . والقول بأن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم قاتله والوقت الذي
يقتل فيه ، فقد جاء الخبر متظاهرا أنه كان يعلم في الجملة أنه مقتول . وجاء أيضا
بأنه كان يعلم قاتله على التفصيل 1 ، فأما علمه في وقت 2 قتله فلم يأت فيه أثر على
التفصيل ، ولو جاء فيه أثر 3 لم يلزم ما ظنه المستضعفون ، إذ كان لا يمتنع أن يتعبده
الله بالصبر على الشهادة والاستلام للقتل ، ليبلغه الله بذلك من علو الدرجة ما لا
يبلغه إلا به ، ولعلمه تعالى بأنه يطيعه في ذلك طاعة لو كلفها سواه لم يؤدها ،
ويكون في المعلوم من اللطف بهذا التكليف لخلق من الناس ما لا يقوم مقامه غيره ،
فلا يكون بذلك أمير المؤمنين عليه السلام ملقيا بيده إلى التهلكة ، ولا معينا على
نفسه معونة مستقبحة في العقول .
هامش
1 - روى الشيخ المفيد في كتابه ( الإرشاد ص 6 ) تحت عنوان " الأخبار التي جاءت بذكره عليه السلام
الحادث قبل كونه ، وعلمه به قبل حدوثه " : عن الأصبغ بن نباته . قال : أتى أبن ملجم أمير المؤمنين
فبايعه عليه السلام فيمن بايع ، ثم أدبر عنه فدعاه أمير المؤمنين عليه السلام فتوثق منه وتؤكد عليه ألا
يغدر ولا ينكث . ففعل ثم أدبر عنه ، فدعاه أمير المؤمنين عليه السلام الثانية فتوثق منه وتؤكد عليه ألا
يغدر ولا ينكث ، ففعل ثم أدبر عنه ، فدعاه أمير المؤمنين الثالثة فتوثق منه وتؤكد عليه ألا يغدر ولا
ينكث ، فقال ابن ملجم لعنه الله : والله يا أمير المؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري . فقال
أمير المؤمنين عليه السلام :
أريد حباءه ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد
امض يا ابن ملجم ! فوالله ما أرى أن تفي بما قلت .
2 - باقي النسخ . بوقت .
3 - روى الشيخ المفيد في كتابه ( الإرشاد ص 8 ) في حديث آخر . أن أمير المؤمنين عليه السلام قد
سهر تلك الليلة فأكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو يقول : والله ما كذبت ولا كذبت وإنها الليلة التي
وعدت بها ، ثم يعاود مضجعه . فلما طلع الفجر شد إزاره وخرج وهو يقول :
أشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا
فلما خرج إلى صحن داره استقبله الإوز فصحن في وجهه ، فجعلوا يطردونهن ، فقال : دعوهن فإنهن
نوائح ، ثم خرج فأصيب عليه السلام . راجع أيضا بحار الأنوار ج 42 ( باب إخباره صلوات الله عليه
بشهادة نفسه ) ص 191 - 199 .