فصل
ثم قال هذا الشيخ الجاهل : وقد كان وصل إلى نيسابور ( 1 ) ، في سنة
أربعين وثلاثمائة ، رجل من هؤلاء الرافضة يعرف ب ( الجنيدي ) ( 2 ) ، يدعي
معرفة بفقههم ، ويتصنع بالنفاق لهم ، فسلموا إليه مالا كثيرا ليوصله إلى إمامهم
- الذين يدعون وجوده الآن ، ويحيلون في ذلك على السرداب وكان يذكر
لهم أن بينه وبينه مكاتبة ، وأن مستقرة بنواحي الحجاز .
وحمل إليه إنسان منهم - كان يعاملني في التجارة أخيرا مرة - سيفا
بحلية ثقيلة ، له مقدار ، وأهدى إليه في خاصته ثيابا ، وبره بشئ من ماله ،
ورأيت جماعة من رافضة نيسابور يكرمونه ويعتقدون فيه الصلاح .
فخاطبت معاملي في استحضاره إلى منزله ، فحضر ، وقايسته فوجدته من
أجهل الناس ، وأبعدهم عن طريق العلم ، وتقرب إلي بوفاق أبي حنيفة في
مسائل ، وبالقول بالقياس في الأحكام - والرأي ، ولم يكن يحسن من ذلك
كله شيئا .
فعجبت لشدة غباوة هذه الفرقة ، ونفاق الجهال عليها ، لكن لا عجب ! مع
ما هم عليه من الضلال عما تقتضيه العقول ، وتوفيه شرائع الإسلام ،
و
هامش
( 1 ) نيسابور بفتح أوله ، والعامة تسميه ( نشاور ) ، وهي مدينة عظيمة ، ذات فضائل جسيمة ، معدن
الفضلاء ، ومنبع العلماء ، لم - أر فيما طوفت من البلاد - مدينة كانت مثلها . ( معجم البلدان 5 : 330 )
( 2 ) هو محمد بن أحمد الجنيد ، أبو علي الإسكافي ، وجه من وجوه أصحابنا ، ثقة جليل القدر ، صنف
فأكثر ، إلا أنه كان يرى القول بالقياس ، فتركت لذلك كتبه ولم يعول عليها .
( الفهرست للطوسي : 368 )