تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وإنّما أخبر به معلّقاً على أن تتعلق المشيئة الإلهية به أو أن لا تتعلق بخلافه ، ومن الواضح أنّ صدق هذا الخبر وكذبه إنّما يدوران مدار صدق الملازمة بين هذين الطرفين وكذبها لا وقوعهما في الخارج وعدم وقوعهما فيه . فالنتيجة في نهاية المطاف : هي أنّه لا مانع من الالتزام بوقوع البداء في بعض إخبارات المعصومين ( عليهم السلام ) في الأُمور التكوينية ، ولا يلزم منه محذور لا بالإضافة إلى ذاته ( سبحانه وتعالى ) ولا بالإضافة إليهم ( عليهم السلام ) ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ولو أغمضنا عن تلك الروايات وافترضنا أنّه لم تكن في المسألة أيّة رواية من روايات الباب ، فما هو موقف العقل فيها ؟ الظاهر بل لا ريب في أنّ موقفه هو موقف الروايات الدالة على أنّ قضاء الله تعالى على ثلاثة أنواع ، والسبب في ذلك : أنّ العقل يدرك على سبيل الحتم والجزم أنّ البشر مهما بلغ من الكمال ذروته كنبيّنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يستحيل أن يحيط بجميع ما في علم الله ( سبحانه وتعالى ) هذا من ناحية . ومن ناحية أُخرى : أنّ جريان البداء ووقوعه في الخارج بنفسه دليل على ذلك ، حيث إنّه يستحيل جريانه في علمه تعالى ، لاستلزامه الجهل بالواقع تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . وقد ثبت على ضوء الكتاب والسنّة والعقل الفطري أنّ الله سبحانه عالم بجميع الكائنات بشتى أنواعها وأشكالها ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرّة لا في السماء ولا في الأرض ، وكذا يستحيل جريانه في القضايا التي أخبر بوقوعها ملائكته ورسله على سبيل الحتم والجزم ، فانّ الله تعالى يستحيل أن يكذّب نفسه أو ملائكته أو رسله . وعليه فبطبيعة الحال يجري البداء في القضايا التي أخبر بوقوعها لهم معلّقاً بتعلق مشيئته به أو بعدم تعلّقها على خلافه المعبّر عنه بعالم المحو والاثبات ، والنكتة في وقوعه فيها : هو أنّ الله تعالى يعلم بعدم الوقوع من جهة علمه بعدم وقوع ما علّق عليه في الخارج بعلمه المكنون والمخزون عنده لا يحيط به غيره أبداً . وأمّا من أخبره تعالى بوقوعها على نحو التعليق فهو حيث لا يعلم بعدم وقوع المعلّق عليه فيه فلأجل ذلك قد يظهر ويبدو خلاف ما أخبر به ، وهذا هو البداء بالمعنى الذي تقول به الشيعة الإمامية ولا يستلزم كذب ذلك الخبر ، لفرض أنّ إخباره عن الوقوع للناس ليس على سبيل الحتم والجزم ، وإنّما كان على نحو التعليق ، ولا يتصف مثل هذا الخبر بالكذب إلاّ في فرض عدم الملازمة بين المعلّق والمعلّق عليه ، والمفروض أنّ الملازمة بينهما موجودة . وبذلك يظهر أنّ حقيقة البداء عند الشيعة هي الابداء والاظهار ، وإطلاق لفظ البداء عليه مبني على التنزيل وبعلاقة المشاكلة ، وإسناده إليه تعالى باعتبار أنّ علمه منشأ لوقوعه وجريانه . إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة : وهي أنّه لا مناص من الالتزام بالبداء بالمعنى الذي ذكرناه على ضوء الروايات وحكم العقل .
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 504 | الشيخ محمد إسحاق الفياض / مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي