شرح
فنقول : لو تصرف نصف الثلث بأن أهداه للغني وأهدى البقيّة للفقير فلا ضمان عليه أصلًا ، لصدق الإهداء على ما أعطاه للفقير ، لعدم أخذ الغنى في الهدية ، فإن الهدية إعطاء شيء مجاناً سواء كان المهدى له غنياً أو فقيراً ، فحينئذ قد عمل بوظيفته من إعطاء الثلث هدية وإعطاء الثلث الآخر صدقة .
نعم ، لو عكس الأمر وأعطى جميع الثلثين للغنى ، أو أعطى بعض الثلث للفقير والبقيّة للغني ، فعلى مسلك من لا يرى التثليث بالتساوي فقد عمل بوظيفته أيضاً وعلى مسلك من يرى التثليث بنسبة متساوية كما هو المختار يكون ضامناً لحصة الفقراء .
وأمّا لو باعه أو أتلفه باختياره ولو بإعطائه لغير أهله ضمن الثلثين ، وعللوا الضمان بأن الفقير له حق في المال ، فالمال مما تعلق به حق الغير فإتلاف المال إتلاف لحق الغير وذلك يوجب الضمان . وناقش فيه بعضهم بأن في المقام ليس إلَّا حكماً تكليفياً وهو الذبح وإعطاؤه للغير ، ولو تركه فقد ترك حكماً تكليفياً وذلك غير موجب للضمان .
ولكن الظاهر أن الضمان لا يتوقف على ثبوت حق للفقير أو الصديق في المال ، بل سبب الضمان قاعدة على اليد ، فإنها وإن لم تثبت بدليل لفظي ولكن السيرة قائمة على الضمان في الإتلاف الاختياري واليد العادية ، فإذا كان التلف بتفريط ممن وضع يده على مال أحد يضمن له بالسيرة العقلائية ، ولا يتوقف الضمان على أن يكون المال ملكاً لأحد أو متعلقاً لحق الغير ، بل كل مال له مصرف خاص وفرّط الشخص ولم يصرفه في المصرف الخاص يكون ضامناً له ، ومن ذلك الأموال التي تصرف في المواكب الحسينية ، فلو أعطى أحد مقداراً من المال للصرف في المواكب فقد خرج المال عن ملكه ولا يدخل في ملك الغير ، فلا بدّ من صرفه في سبيل الحسين ( عليه السلام ) فلو أتلف الآخذ المال ولم يصرفه في سبيل الحسين ( عليه السلام ) فهل يحتمل أنه لا ضمان عليه ، لأن المال لم يكن ملك أحد وخرج من ملك مالكه ، فإن السيرة قاضية بالضمان قطعاً في أمثال هذه الموارد ، بل صريح أخبار الزكاة الضمان لو فرّط في المال الزكوي مع أن الزكاة ليست ملكاً لأحد ، وما ذكر في الآية الشريفة من الأصناف إنما هو لبيان مصرف الزكاة ، لا أنها ملك الفقراء أو المساكين ، نعم لو أخذها الفقير يملك .