نفوس العامّة أمرهم - إلّا الاستسلام لتلك الرزايا ، والصبر على هاتيك البلايا ، وما قصد كربلاء إلّا لتحمّل ذلك البلاء عهد معهود عن أخيه ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن اللّه عزّوجلّ .
شرح
لم يزل يو إلي السعي في تهيئة أسباب قتله نظرا لذلك المقصد العالي ، ولم نجد في التاريخ رجلا ضحّى حياته عالما عامدا لترويج ديانته من بعده إلّا الحسين .
المصائب التي تحمّلها الحسين في طريق إحياء دين جدّه تفوق على مصائب أرباب الديانات السابقين ، ولم ترد على أحد منهم .
نعم ، إنّ هناك رجالا قتلوا في طريق إحياء الدين ولكنّهم لم يكونوا كالحسين ، فإنّه ضحّى نفسه العزيزة في طريق إحياء دين جدّه ، وفداه بأولاده وإخوانه وأقربائه وأحبابه وأمو اله وعياله ، ولم تقع هذه المصائب دفعة واحدة حتّى تكون في حكم مصيبة واحدة ، بل وقعت متتالية واحدة بعد أخرى ، ويختصّ الحسين دون غيره بتواتر أمثال هذه المصائب ، كما يشهد له التاريخ .
لم تنته المصائب التي وردت على الحسين من قتله وقتل أصحابه ، وتسيير نسائه وبناته إلّا وانكشف الغطاء عن سرائر بني اميّة ، وقبائح أعمالهم ، وظهرت بين المسلمين الحسيّات السياسيّة ، وتولّدت أسباب الثورة ضدّ سلطنة يزيد وبني اميّة ، وعلم الجميع أنّ بني اميّة مخرّبو الإسلام ، وصار الجميع يرفض بدعهم وتقوّلاتهم ، وعرفوا بالظلم والغصب بالعكس من بني هاشم ، فإنّهم عرفوا بالمظلوميّة ، وأنّ لهم الرئاسة الروحانيّة بالاستحقاق ، وإليهم تنمى الحقيقة الروحانيّة .
كأنّ المسلمين - بعد قتل الحسين - قد دخلوا في دور جديد ، وظهرت الروحانيّة الإسلاميّة بأجلى مظاهرها ، وتجدّدت بعد أن كانت مندرسة غائبة عن أذهان المسلمين ، كما أنّه لا يشكّ اثنان في تفوّق مصائب الحسين على جميع مصائب روحاني السلف ، فكذلك لا يشكّ في الثورة التي حدثت بعده بأنّها فاقت سائر الثورات السالفة ، وإنّ امتدادها وأثرها أكثر ، وإنّ بها ظهرت للعالم مظلوميّة آل محمّد .