من أنظار العالمين ، واستلفت الأبصار بمصيبته إلى سائر مصائب أهل البيت ، واضطرّ الناس بحلول هذه القارعة إلى البحث عن أساسها ، وحملهم على التنقيب عن أسبابها ، والفحص عن جذرها وبذرها ، واستنهض الهمم إلى حفظ مقام
شرح
نعم ، إنّ ظلم بني اميّة وقساوة قلوبهم في معاملاتهم مع حرم محمّد وصباياه أثّر في قلوب المسلمين تأثيرا عظيما لا ينقص عن أثر قتله وأصحابه ، ولقد أظهر في فعله هذا عقيدة بني اميّة في الإسلام وسلوكهم مع المسلمين سيّما ذراري نبيّهم ، لهذا كان الحسين يقول في جواب أصحابه والذين كانوا يمنعونه عن هذا السفر : « إنّي أمضي إلى القتل » .
ولمّا كانت أفكار المانعين محدودة ، وأنظارهم قاصرة لا يدركون مقاصد الحسين العالية ، لم يألوا جهدهم في منعه ، وآخر ما أجابهم به أن قال لهم : « شاء اللّه ذلك » و « جدّي أمرنيبه » فقالوا : إن كنت تمضي إلى القتل فما وجه حملك النسوة والأطفال ؟
فقال : « إنّ اللّه شاء أن يراهنّ سبايا » « 1 » . ولمّا كان بينهم رئيسا روحانيا ، لم يكن لهم بدّ عن السكوت .
وممّا يدلّ على أنّه لم يكن له غرض إلّا ذلك المقصد العالي الذي كان في نفسه ، ولم يتحمّل تلك المصائب لسلطنة وإمارة ، ولم يقدم على هذا الخطر من غير علم ودراية - كما تصوّره بعض المؤرّخين منّا - أنّه قال لبعض ذوي النباهة قبل الواقعة بأعوام كثيرة على سبيل التسلية : « إنّ بعد قتلي وظهور تلك المصائب المحزنة يبعث اللّه رجالا يعرفون الحقّ من الباطل ، يزورون قبورنا ، ويبكون على مصابنا ، ويأخذون بثارنا من أعدائنا ، أولئك جماعة ينشرون دين اللّه وشريعة جدّي ، وأنا وجدّي نحبّهم ، وهم يحشرون معنا يوم القيامة » « 2 » .
هامش
( 1 ) - . راجع : الملهوف على قتلى الطفوف : 128 ؛ بحار الأنوار 364 : 44 ، تاريخ الحسين بن عليّ سيّد الشهداء عليه السلام ، الباب 37 ، ذيل الحديث 2 .
( 2 ) - . لاحظ مناقب آل أبي طالب 109 : 4 .