المسلمون امّة من الأمم التالفة ؛ إذ لوبقي المنافقون على ما كانوا عليه من الظهور للعامّة بالنيابة عن رسول اللّه والنصح لدينه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم أولياء السلطة المطلقة والإرادة المقدّسة ، لغرسوا من شجرة النفاق ما أرادوا ، وبثّوا من روح الزندقة ماشاؤوا ، وفعلوا بالدين ما توجبه عداوتهم له ، وارتكبوا من الشريعة كلّ أمر يقتضيه نفاقهم .
شرح
قد أحيا بقتله دين جدّه وقوانين الإسلام ، وإن لم تقع تلك الواقعة ولم تظهر تلك الحسيّات الصادقة بين المسلمين لأجل قتل الحسين لم يكن الإسلام على ما هو عليه الآن قطعا ، بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانينه حيث كان يومئذ حديث العهد ، عزم الحسين إنجاح هذا المقصد وإعلان الثورة ضدّ بني اميّة من يوم توفّي والده ، فلمّا قام يزيد مقام معاوية خرج الحسين من المدينة وكان يظهر مقصده العالي ويبثّ روح الثورة في المراكز المهمّة الإسلاميّة كمكّة والعراق ، وأينما حلّ فازدادت نفرة قلوب المسلمين التي هي مقدّمة الثورة من بني اميّة ، ولم يكن يجهل يزيد مقاصد الحسين ، وكان يعلم أنّ الثورة إذا أعلنت في جهة والحسين قائدها - مع تنفّر المسلمين عموما من حكومة بني اميّة وميل القلوب وتوجّه الأنظار إلى الحسين - عمّت جميع البلاد ، وفي ذلك زوال ملكهم وسلطانهم ، فعزم يزيد قبل كلّ شيء من يوم بويع على قتل الحسين .
ولقد كان هذا العزم أعظم خطأ سياسيّ صدر من بني اميّة الذي جعلهم نسيا منسيّا ولم يبق منهم أثر ولا خبر .
وأعظم الأدلّة على أنّ الحسين أقدم على قتل نفسه ، ولم تكن في نظره سلطنة ولا رئاسة ، هو أنّه - مضافا إلى ما كان عليه من العلم والسياسة والتجربة التي وقف عليها زمن أبيه وأخيه في قتال بني اميّة - كان يعلم أنّه مع عدم تهيئة الأسباب له واقتدار يزيد لا يمكنه المقاومة والغلبة ، وكان يقول من يوم توفّي والده : إنّه يقتل « 1 » . وأعلن يوم خروجه من المدينة : أنّه يمضي إلى القتل ، وأظهر ذلك لأصحابه والذين اتّبعوه من باب إتمام
هامش
( 1 ) - . بحار الأنوار 331 : 44 - 332 ، تاريخ الحسين بن عليّ سيّد الشهداء عليه السلام ، الباب 37 ، ذيل الحديث 2 .