وقد تفنّن خطباؤها فيما يصدعون به أوّلا على أعوادها ، ثمّ يتخلّصون منه إلى ذكر المصيبة وتلاوة الفاجعة .
شرح
وعاداتهم ولا ينسبوها إلى الجنون ، وإنّي أعتقد بأنّ بقاء القانون الإسلامي ، وظهور الديانة الإسلاميّة ، وترقّي المسلمين هو مسبّب عن قتل الحسين وحدوث تلك الوقائع المحزنة ، وهكذا ما تراه اليوم بين المسلمين من حسن السياسة وإباء الضيم ، ما هو إلّا بواسطة عزاء الحسين ، وما دامت في المسلمين هذه الملكة والصفة لا يقبلون ذلّا ولا يدخلون في أسر أحد .
ينبغي لنا أن ندقّق النظر في ما يذكر من النكات الدقيقة الحيويّة في مجالس إقامة عزاء الحسين ، ولقد حضرت دفعات في المجالس التي يذكر فيها عزاء الحسين في إسلامبول مع مترجم ، وسمعتهم يقولون : الحسين الذي كان إمامنا ومقتدانا ، ومن تجب طاعته ومتابعته علينا لم يتحمّل الضيم ، ولم يدخل في طاعة يزيد ، وجاد بنفسه وعياله وأولاده وأمو اله في سبيل حفظ شرفه وعلوّ حسبه ومقامه ، وفاز في قبال ذلك بحسن الذكر والصيت في الدنيا ، والشفاعة يوم القيامة ، والقرب من اللّه ، وأعداؤه قد خسروا الدنيا والآخرة .
فرأيت بعد ذلك وعلمت أنّهم في الحقيقة يدرّس بعضهم بعضا علنا بأنّكم إن كنتم شيعة الحسين وأصحاب شرف ، إن كنتم تطلبون السيادة والفخر ، فلا تدخلوا في طاعة أمثال يزيد ، ولا تتحمّلوا الذلّ ، بل اختاروا الموت بعزّة على الحياة بذلّة حتّى تفوزوا بحسن الذكر في الدنيا والآخرة ، وتحظوا بالفلاح .
من المعلوم حال الامّة التي تلقى عليها أمثال هذه التعاليم من المهد إلى اللحد ، في أيّ درجة تكون في الملكات العظيمة ، والسجايا العالية ، نعم هكذا امّة تحوي كلّ نوع من أنواع السعادة والشرف ، ويكون جميع أفرادها جندا مدافعين عن عزّهم وشرفهم ، هذا هو التمدّن الحقيقي اليوم ، هذا هو طريق تعليم الحقوق ، هذا هو معنى تدريس أصول السياسة . انتهى .