فأولوا النظر والتحقيق يعلمون أنّ خطباء هذه المآتم كلّهم دعاة إلى الدين من حيث لم يقصدوا ذلك ، بل لا مبشّر بالإسلام على التحقيق سواهم ، وأنت تعلم أنّ الموظّفين لهذا العمل الشريف لا يقصرون في أنحاء البسيطة عن الألوف المؤلّفة ، فلو بذل المسلمون شطر أمو الهم ليوظّفوا دعاة إلى دينهم بعدد أولئك الخطباء ما تيسّر ذلك لهم ، ولو تيسّر فلا يتيسّر من يستمع الدعوة على ممرّ الدهور استماع الناس لما يتلى في هذه المآتم بكلّ رغبة وإقبال .
شرح
والأثر الذي يترتّب على هذه السيرة هو الأثر الذي يتطلّبه جميع ساسة الغرب في ترقّي دين المسيح مع تلك المصارف الباهضة .
ومن جملة الأمور السياسيّة التي أظهرها أكابر فرقة الشيعة بصبغة مذهبيّة منذ قرون ، وأوجبت جلب قلب البعيد والقريب هو : قاعدة التمثيل باسم « الشبيه » في مآتم الحسين .
وقد قرّر حكماء الهند التمثيل لأغراض ليس هذا موضع ذكرها وجعلوه من أجزاء عباداتهم ، فأخذته اوربّا وأخرجته بمقتضى السياسة بصورة التفرّج ، وصارت تمثّل الأمور المهمّة السياسيّة في دور التمثيل الخاصّة والعامّة ، وجلبت القلوب بسببه .
وأصابت بسهم غرضين : تفريج النفوس ، وجلب القلوب في الأمور السياسيّة ، والشيعة قد استفادت من ذلك فوائد كاملة ، وأظهرته بصبغة دينيّة ، ويمكن القول بأنّ الشيعة قد أخذت ذلك من الهنود .
وكيف كان فالأثر الذي ينبغي أن يعود من التمثيل إلى قلوب الخواصّ والعوامّ قد عاد ، ومن المعلوم أنّ تواتر إقامة المآتم وذكر المصائب الواردة على أكابر دينهم ، والمظالم التي وردت على الحسين عليه السلام مع تلك الأخبار الواردة في فضل البكاء على مصائب آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إذا انضمّت إلى تمثيل تلك المصائب تكون شديدة الأثر ، وتوجب رسوخ عقائد خواصّ هذه الفرقة وعوامّها فوق ما يتصوّر . وهذا هو السبب الذي لم يسمع من ابتداء ترقّي مذهب الشيعة إلى الآن أن ترك بعضهم دين الإسلام ، أو دخل في سائر الفرق الإسلاميّة .