ولا تنس مايتهيّأ للمجتمعين فيها من الاطّلاع على شؤونهم ، والبحث عن شؤون إخوانهم النائين عنهم ، وما يتيسّر لهم حينئذ من تبادل الآراء فيما يعود عليهم بالنفع ، ويجعلهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا ، أو كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو أنّت له سائر الأعضاء ، وبذلك يكونون مستقيمين في السير على خطّة واحدة يسعون فيها وراء كلّ ما يرمون إليه .
شرح
ولأجل هذه المشقّات التي اختارتها هذه الجماعة فاق خطباء هذه الفرقة على خطباء جميع فرق المسلمين ، وحيث إنّ تكرار الأمر الواحد يوجب اشمئزاز القلوب ومللها ، وعدم التأثير ، تسعى هذه الجماعة في ذكر تمام المسائل الإسلاميّة الراجعة إلى مذهبهم بهذا العنوان على المنابر ، حتّى آل الأمر إلى عوامّ الشيعة بفضل هؤلاء الخطباء أن أصبحوا أعرف بمسائل مذهبهم من معرفة كلّ فرقة من فرق المسلمين بمذهبها ، كما أنّ اكتساب الشيعة واحترافهم بهذه الوسيلة وسائر الوسائل الراجعة إليها أيضا أكثر من سائر المسلمين ، ولو نظرنا اليوم في أقطار العالم ، نرى أنّ الأفراد التي هي أولى بالمعرفة والعلم والصنعة والثروة إنّما توجد بين الشيعة ، والدعوة التي قام بها الشيعة إلى مذهبهم أو سائر الفرق الإسلاميّة غير محدودة ، بل إنّ آحاد وأفراد الطائفة دعاة ، وما دخلوا بين امّة إلّا وسرى هذا الأثر في قلوبها ، وليس العدد الذي نراه اليوم في ا لهند من الشيعة إلّا هو أثر إقامة هذه المآتم . الشيعة لم تؤيّد دينها بقوّة ، ولا سيف ، حتّى في زمن الصفويّة ، بل إنّهم بلغوا هذه الدرجة من الترقّي المحيّر للعقول بقوّة الكلام والدعوة التي أثرها أمضى من السيف .
ولقد بلغ اهتمام هذه الفرقة في أداء مراسم مذهبها مبلغا عظيما حتّى جعلت ثلثي المسلمين من أتباع سيرتها ، بل اشترك معها كثير من الهنود والمجوس وسائر المذاهب ، ومن المعلوم أنّ بعد مضيّ قرن ووصول هذه الأعمال بالإرث إلى أبناء أولئك الطوائف يذعنون بها ويصدّقون هذا المذهب .