ومنها : أنّ هذه المآتم دعوة إلى الدين بأحسن صورة وألطف أسلوب ، بل هي أعلى صرخة للإسلام توقظ الغافل من سباته ، وتنبّه الجاهل من سكراته ، بما تشربه في قلوب المجتمعين ، وتنفثه في آذان المستمعين ، وتبثّه في العالم ، وتصوّره قالبا لجميع بني آدم ، من أعلام الرسالة ، وآيات الإسلام ، وأدلّة الدين ، وحجج المسلمين ، والسيرة النبويّة ، والخصائص العلويّة ، ومصائب أهل البيت في سبيل اللّه ، وصبرهم على الأذى في إعلاء كلمة اللّه .
شرح
وبما أنّ فرقة الشيعة تعتقد بأنّ جميع المطالب والمقاصد موكول نجاحها إلى أكابر مذهبهم ، وهم يفزعون إليهم في قضاء الحوائج ، ويستمدّون منهم عندالشدائد ، سرت هذه الروح أيضا إلى سائر الفرق التي اشتركت معهم في تلك الأعمال والأفعال ، ومن المعلوم أنّ بمجرّد قضاء حاجتهم وبلوغ آمالهم ، تزداد عقيدتهم بهذا المذهب رسوخا .
من هذه القرائن والأسباب يمكن أن نقول : لا يمضي على هذه الفرقة زمان قليل إلّا وتفوق سائر المسلمين من حيث العدد ، وكانت هذه الفرقة قبل قرن أو قرنين تلازم التقيّة - فيما عدا إيران - نظرا لقلّتهم وعدم قدرتهم على إظهار شعائر مذهبهم ، ولكن من يوم استولت الدول الغربيّة على الممالك الشرقيّة ، ومنحت جميع المذاهب الحرّيّة قامت هذه الفرقة تقيم شعائر مذهبها علنا في كلّ مكان ، واستفادوا من هذه الحرّيّة فائدة تامّة حتّى أنّهم تركوا التقيّة .
لهذه الأسباب المذكورة كانت هذه الفرقة أعرف من غيرها بمقتضيات العصر الحاضر ، وأكثر سعيا باكتساب المعاش وتحصيل المعارف ؛ لذلكترى العمّال في هذه الفرقة أكثر ممّا تراه في سائر فرق المسلمين ؛ لاشتغال الغالب منهم المستلزم لمتابعة غير الغالب ، مضافا إلى أنّ مثابرتهم على العمل ممّا توجب احتياج الغير إليهم ، كما أنّ اختلاطهم مع سائر الفرق وصلاتهم الوداديّة مع غيرهم تلازم غالبا اشتراك الغير في مجالسهم ومحافلهم ، فيسمعون أصول مذهبهم ، ويصغون إلى كلماتهم وعباراتهم ، وبتكرار ذلك يأنسون بطريقتهم ومذهبهم ، وهذا هو عمل الدعاة .