وهذا التلفيق لا يخفى فساده ؛ إذ لا تخصيص في قوله : «
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
» كما لا تخصيص في نظائرها نحو قولنا : ما كلّمته بفمي ، ولا شممت عرفه بأنفي ، ولا وطأت برجلي أرضه ، فكما أنّ قولنا : ما وطأت برجلي أرضه لا يدلّ على أنّه وطأها بغير رجله ، كذلك قوله : «
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
» لا يدلّ على أنّه يدرك بغير الأبصار . وأنا واللّه لا أدري كيف رضي هذا الإمام لنفسه هذه الفلسفات البعيدة كلّ البعد عن ظاهر الآية «
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
» وعن معناها المتبادر منها إلى أذهان أهل اللغة والعرف كافّة ، حتّى كأنّه في منتزح عن العربيّة وأهلها ، وأنّه لا يرى ظواهر الألفاظ ونصوصها حجّة فيما يخالف فلسفته ؟ وما كان أولاه بأن يربأ بفضله وإمامته عن ذلك ؟
الآية الثانية : قوله عزّ من قائل : «
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
» « 1 » .
فإنّها في معناها على حدّ الآية الأولى «
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
» .
وحسبنا من التعليق عليها ما أخرجه ثقة الإسلام - في باب إبطال الرؤية من كتاب التوحيد من أصول الكافي - بسنده إلى صفوان بن يحيى ، قال : سألني أبوقرّة المحدّث أن ادخله على الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام ، فاستأذنته في ذلك ، فأذن لي ، فأدخلته « 2 » عليه ، فسأله عن الحلال والحرام حتّى بلغ سؤاله إلى التوحيد ، فقال أبوقرّة : إنّا روّينا أنّ اللّه قسم الرؤية والكلام بين نبيّين « 3 » ، فقسم الكلام لموسى ، ولمحمّد الرؤية ، فقال الإمام عليه السلام : « فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين من الإنس والجنّ في أنّه لا تدركه الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شيء ؟ أليس هو محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم ؟ » قال : بلى ، قال :
هامش
( 1 ) - . طه 110 : 20 .
( 2 ) - . في المصدر : « ندخل عليه » بدل « فأدخلته » .
( 3 ) - . في النسخة : « النبيّين » والمثبت كما في المصدر .