بوضوح ، وذلك أنّ أولاهما نصّت على عقوبة متّخذي العجل بقتل أنفسهم ، ونصّت الثانية على عقوبة الطالبين رؤية اللّه تعالى جهرة بالصاعقة تأخذهم وهم ينظرون .
وهذا بمجرّده يوجب القطع بتساوي الجرمين في الكفر ؛ لتساويهما في العقوبة من اللّه تعالى الملك الحقّ العدل المبين ، وليس شيء أدلّ من هذا على امتناع الرؤية ، ووجوب الإنكار على القائلين بها ، بل وجوب كفرهم إذا أصرّوا عليها عنادا بعد أن تتمّ عليهم الحجّة بامتناعها ، كما تمّت على أصحاب الصاعقة من قوم موسى ، فإنّه - عليه الصلاة والسلام - حين سألوه الرؤية أخبرهم بامتناعها ، فألحّوا عليه ولجّوا في طغيانهم ( 1 ) ، فعرّفهم أنّ رؤية اللّه تستلزم تحيّزه وتكيّفه والإشارة إليه ، واللّه تعالى منزّه عن ذلك ، وأوضح لهم أنّ من استجاز الرؤية على اللّه - عزّ وجلّ - فقد جهله ، وجعله من جملة الأجسام أو الأعراض ، فعتوا وأصرّوا على طلبها عنادا ، فكانوا بذلك كعبدة العجل ، فأخذتهم الصاعقة بأمر اللّه كما أخذ القتل أولئك بأمره تعالى ؛ لتساوي الجرمين .
هذا ما استفدته من الآيتين في توجيه الاستدلال على امتناع الرؤية .
ويدلّ على ذلك - مضافا إلى ما سمعت - أنّ اللّه تعالى لم يذكر في كتابه الحكيم طلب رؤيته إلّا استعظمه واستفظعه ، فانظر إن شئت إلى قوله عزّ من قائل : «
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ
» « 1 » فسمّى ذلك ظلما ، وعاقبهم بالصاعقة فورا .
وإن شئت فانظر إلى قوله تعالى : «
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
» « 2 » .
شرح
( 1 ) كما تدلّ عليه الآية بالالتزام .
هامش
( 1 ) - . النساء 153 : 4 .
( 2 ) - . الفرقان 21 : 25 .