لحقيقة ذاته ، فممّا لا خلاف فيه ولا ريبة لأحد ( 1 ) .
وأيّ مسلم أو غير مسلم من أهل الأديان يقول : بأنّه يمتنع على اللّه أن يدرك كنه ذاته تعالى وقد «
وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
» « 1 » باتّفاق أهل التوراة والإنجيل والفرقان العظيم ، وما أغناها عن إقامة البرهان على ذلك .
وإذا استطال الشيء قام بنفسه وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا « 2 » لكنّ الإمام الرازي احتجّ هنا بقوله تعالى : «
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
» ، وفي احتجاجه هذا نظر ، بل منع ؛ لأنّ لفظ الأبصار في الآية منصرف عن اللّه تعالى إلى ذوي الأبصار من مخلوقاته ؛ ضرورة أنّ المراد من الأبصار التي نصّت الآية على أنّه يدركها ، هو المراد من الأبصار التي نصّت أوّلا على أنّها لا تدركه . وهذا هو المتبادر إلى الأذهان من الآية الكريمة ، والإمام الرازي في فهمه وعلمه لا يخفى عليه ذلك ، لكنّه شاء التشكيك ، وإلّا فأين الإجماع المركّب عن مدلول هذه الآية «
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
» « 3 » ؟
وأيّ عبارة في العربيّة أو غيرها أصرح منها في الدلالة على أنّه لا يدركه أحد من جميع ذوي الأبصار من مخلوقاته ، وأنّه تعالى يدركهم جميعا ؟
على أنّ الإجماع هنا لا يصلح حجّة لو تمّ ، سواء أكان مركّبا أم بسيطا ، ولعلّ الإمام الرازي لا يخفى عليه ذلك ، عفا اللّه عنّا وعنه .
شرح
( 1 ) لأنّها ليست كإدراك المخلوقات ؛ فإنّ المخلوقات إنّما تدرك بالآلات كالعين والاذن ونحوهما ، وتعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، فإنّه السميع البصير لكن لا بآلتي السمع والبصر ، العالم بكلّ شيء لكنّه لا كالعالمين ، وهذا ما يوافقنا عليه الإمام الرازي وأصحابه الأشاعرة ، وإن خالفونا في الصفات من بعض الجهات .
هامش
( 1 ) - . طه 98 : 20 .
( 2 ) - . من أشعار المتنبّي ولم نعثر عليه في ديوانه . قيل : كان موجودا في بعض الطبعات القديمة من ديوانه وحذف منه في الطبعات الأخيرة .
( 3 ) - . الأنعام 103 : 6 .