خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
» « 1 » إذ قال :
ذكروا في قوله «
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
» وجهين .
الأوّل : أنّه تعالى بيّن أنّه يعلم ما بين أيدي العباد وما خلفهم . - ثمّ قال : - «
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
» أي أنّ العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وماخلفهم علما بإرجاع ضمير « به » إلى «
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
» .
الثاني : المراد ولا يحيطون باللّه علما ، بإرجاع ضمير « به » إلى اللّه .
- قال : - والأوّل أولى « 2 » .
قلت : أراد الرازي بهذا مجرّد التشكيك ، وما أظنّه خفي عليه أنّ المتبادر من إطلاق الآية إنّما هو الثاني ، بل لا يصحّ الأوّل ؛ إذ لو كان مرجع الضمير ما بين أيديهم وما خلفهم ، لقال :
ولا يحيطون بهما علما ، على أنّ عدم إحاطة العباد بما بين أيديهم من شؤون الدنيا والآخرة ، وبما خلفهم من شؤون مخلوقات اللّه منذ الأزل معلوم لا يجهله أحد من الناس ، فما الفائدة بذكره في محكم التنزيل ؟ وهل هو إلّا كالإخبار بأنّ السماء فوقنا والأرض تحتنا ؟
ونحن حسبنا حديث الإمام الرضا عليه السلام مع أبي قرّة ، وكفى به حجّة بالغة .
الآية الثالثة : قوله تعالى : «
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
» « 3 » .
هاتان آيتان متّصلتان كما أوردناهما ، والحجّة على ما نحن فيه من امتناع الرؤية إنّما هي الآية الثانية ، وإنّما أوردنا الأولى ؛ لأنّ لها دخلا في بيان الوجه في الاحتجاج
هامش
( 1 ) - . طه 110 : 20 .
( 2 ) - . التفسير الكبير 11 الجزء الثاني والعشرون : 120 ، ذيل الآية .
( 3 ) - . البقرة 54 : 2 - 55 .