على أنّ رؤية اللّه - عزّ سلطانه - إنّما امتنعت ؛ لامتناع الإحاطة بعظمته وجلاله ، وقصور الخلائق عن إدراك الكنه من ذاته ، وبهذا يكون مجرّد امتناع الرؤية سببا للمدح ومنشأ للتمدّح ، فقياس الحيّ القيّوم على المعدوم والطعوم قياس مع فارق ، كما يعلمه هذا الإمام وأصحابه .
على أنّا ننقض عليه بقوله تعالى : «
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً
» « 1 » ونحوه من الكتاب والسنّة ، فإنّ الحمد هنا على عدم اتّخاذ الولد والشريك والوليّ من الذلّ ، مع كون كلّ منها ممتنعا مستحيلا في نفسه .
فهل يستطيع هذا الإمام أن يقول : إنّ هذا الحمد لا وجه له ؟ أو يقول : إنّ كلّا من الولد والشريك والوليّ جائز في نفسه ؟ كلّا ، بل لا يفوه بهذا ولابذاك ، وإنّما هو متكلّف مموّه عفااللّه عنه .
أمّا الوجه الثاني ، فحاصله :
أنّ اللّه تعالى يدرك نفسه بدليل قوله : «
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
» . وبهذا ثبت جواز رؤيته ووقوعها منه سبحانه ، وإذن فيجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ، ضرورة أنّ المسلمين في هذه المسألة على قولين لا ثالث لهما ؛ لأنّهم بين قائل بجواز الرؤية ووقوعها من المؤمنين يوم القيامة ، وقائل بأنّ اللّه تعالى لا يراه أحد ، ولا تجوز رؤيته ، أمّا القول بأنّه تعالى جائز الرؤية في نفسه لكنّه لا يدرك كنه ذاته أحد إلّا هو ، فممّا لم يقل به أحد من الامّة ، ولذا كان باطلا بالإجماع المركّب « 2 » .
قلت : خرج الإمام الرازي في هذا الوجه عن محلّ البحث في المسألة كلّ الخروج ، فإنّ محلّ النزاع فيها إنّما هو إدراك غيراللّه لحقيقة ذات اللّه عزّ وجلّ ، أمّا إدراك اللّه
هامش
( 1 ) - . الإسراء 111 : 17 .
( 2 ) - . التفسير الكبير 7 الجزء 131 : 13 - 132 ، ذيل الآية 103 من سورة الأنعام ( 6 ) .