رؤيته - عزّ وجلّ - ليكون حينئذ هو الذي حجب الناس عنها بباهر قدرته الموجبة للتمدّح ، أمّا إذا كانت رؤيته في نفسها ممتنعة مستحيلة ، فلا وجه للتمدّح بها ، بل يكون التمدّح بها مستهجنا لا يليق بالحكماء ، إذ يكون عدم رؤيته تعالى كعدم رؤية المعدوم والطعوم والروائح والإرادة والقدرة ، فإنّها وأشباهها ممّا لا يمكن رؤيته ، ولا يصحّ مدحه بأنّه لا تدركه الأبصار .
- قال : - فثبت بهذا أنّ الآية دالّة على أنّ اللّه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته . ( 1 )
قلت : لا يخفى أنّ التمدّح في الآية الكريمة لم يكن بمجرّد قوله تعالى : «
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
» وإنّما كان بمجموع الأمرين المذكورين في الآية اللذين تعالى اللّه - عزّ وجلّ - بمجموعهما على جميع مخلوقاته ، فحقّ له أن يتمدّح بعلوّه ، كما أوضحناه في توجيه دلالة الآية على امتناع الرؤية ( 2 ) .
شرح
( 1 ) ثمّ قال :
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأنّ المؤمنين يرونه يوم القيامة ؛ لأنّ الامّة المسلمة بين قائل بوقوع الرؤية فضلا عن جوازها ، وبين قائل بعدم جوازها فضلا عن وقوعها ، أمّا القول بأنّه جائز الرؤية لكن لا يراه أحد ، فذلك قول لم يقل به أحد ، فهو باطل بالإجماع المركّب - إلى أن قال - فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على حصول الرؤية .
- قال : - وهذا استدلال لطيف من هذه الآية « 1 » . انتهى .
قلت : الحمد للّه الذي عافانا ممّا ابتلي به غيرنا ، ومن أمعن فيما علّقناه في الأصل على هذا الوجه وغيره من وجوه استدلاله على إمكان الرؤية بهذه الآية ، ظهر له أنّ الرازي لم يأت بشيء غير التمويه الذي لا يخفى كونه كسراب بقيعة ، والحمد للّه على الهداية والاعتدال .
( 2 ) فراجعه في الصفحة 12 « 2 » .
هامش
( 1 ) - . المصدر : 131 .
( 2 ) - . راجع ص 7 - 8 .