فقد نثرت الدر من بحر الحقيقة ، كما ختم الكلام علي ، وهذه هي الوثيقة . . وإن أثن كثيرا على نفسي ، فمتى يستعذب شخص ذلك الثناء مني ؟ ولكن المنصف نفسه يعرف قدري ، لذا فلن يختفي نور بدري ، ولقد أخفيت حالي ، ولم أقل إلا القليل ، حيث سينصفني ، بلا ريب ، كل عالم بفنون القول . وإن لا أبق حتى يوم القيامة ، فقد بقيت بذلك الذي نثرته على مفرق البرية ، لذا سأذكر على لسان القوم حتى يوم القيامة ، وكفاني هذه التذكرة ، وإن تلاشت من الوجود هذه الأفلاك التسعة ، فلن تضيع من هذه التذكرة أي نقطة ، وإن يوضح هذا الكتاب الطريق لأي شخص ، فإنه يرفع بعد ذلك الحجب من أمامه ، ومن يصل إلى الطمأنينة من هذه التذكرة ؛ فليدع : ليحفظ اللّه قائلها . .
لقد نثرت الورد من هذا البستان ، فتذكروني بالخير ، أيها الأصدقاء ، ولكل إنسان ما يوافقه في هذا الكتاب ، وقد تجلى لحظة ، وولى مسرعا ، ولا جرم أنني كالسالكين ، جلوت طائر الروح على النائمين . وإن كنت قد قضيت عمرا مديدا في سبات ، فلعل قلبك يتنبه إلى الأسرار بهذا الكلام ذات لحظة ، واعلم بلا ريب أن عملي سيحرز التوفيق ، ويتلاشى غمي وتتبدد أحزاني . .
وما أكثر ما أحرقت نفسي كمصباح ، حتى أضأت الدنيا وكأنني شمع ، وأصبحت رأسي كالمشكاة من الدخان ، فإلام يشعل شمع خلدي المصباح ؟ لقد ولى نهار طعامي ، وانقضى ليل نومي ، ونضب ماء كبدي من نار قلبي ، وقلت لقلبي : أيها الثرثار ، لقد تكلمت كثيرا ، فصه ، وابحث عن الأسرار ! فقال : إنني غريق ناري ، فلا تلمني . إن أكف عن الكلام ، أحترق ، لقد ماجت مئات الاضطرابات في بحر روحي ، فكيف أكف عن الكلام ساعة ؟
لست أفاخر أحدا بهذا ، وانما أشغل نفسي بهذا ، وما أكثر ما أقول
منطق الطير — صفحة 434
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٣٤