تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
انقضت على هذا الحال أربعون ليلة ويوما ، حتى أصبح السلطان العالي القدر نحيلا كالشعرة ، فقبع على نفسه مشغولا بحاله ، وأصبح عليلا من فرط عنايته بأمر معشوقه ، ولم يؤت أحد القدرة طوال الأربعين نهارا وليلة ، على محادثة السلطان بلفظة ، ولكن بعد انقضاء الأربعين ليلة بلا شراب أو طعام ، رأى السلطان ذلك الفتى ذات لحظة في المنام ، رآه وقد غرق وجهه القمري في الدموع ، كما غرق في الدماء من الرأس إلى القدم ، فقال له السلطان : أيها الرفيق المنعش للقلب ، لماذا غرقت هكذا في بحر الدماء من الرأس إلى القدم ؟ قال : لقد غرقت في الدماء من مودتك ، كما أصابني هذا من عدم وفائك ، لقد سلخت جلدي دون ذنب أو عصيان ، فهل هذا هو الوفاء أيها السلطان ؟ وهل هذا ما يفعله الحبيب في النهاية ؟ كم أكون كافرا إن يقدم كافر على هذه الفعلة ؟ ماذا فعلت حتى تصلبني ؟ وماذا فعلت حتى تقطع رأسي وتنكسني ؟ والآن أشيح بوجهي بعيدا عنك ، وأطلب ديتي حتى يوم القيامة منك ؟ وإذا ما انعقدت المحكمة الإلهية من أجلي ، فسيأخذ اللّه منك حقي . . ما أن سمع السلطان هذا الخطاب من الشبيه بالقمر ، حتى نهض من النوم ، وقلبه مفعم بالهم ، وسيطر الحزن على روحه وقلبه ، وتفاقمت في كل آونة همومه ومشكلته ، وألم به الجنون وفقد زمام نفسه ، وزاد نحوله ، وتضاعف غمه وانخرط في النحيب بكل شدة وحرقة ، وقال : يا روحي ، ويا قلبي ، ها أنذا خالي الوفاض ، لقد دمى قلبي وروحي بسبب ما ألم بك من اضطراب ، ويا من قتلت شرقتلة بسببي ، ومن بقيت في الشدائد بفعلتي ، من ذا حطم نفسه بنفسه مثلي ؟ ومن ذا صنع بيده ما اقترفت من فعل ؟ لم قتلت معشوقي وأصبحت جديرا بالأحزان والهموم ؟ فانظر ما أصابني في النهاية أيها الفتى ، ولا تقطع