تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
الخفاء ، واستمر مأتم ذلك البدر من الصباح حتى المساء ؛ وقد عمت الأحزان جميع البلاد ، كما زادت الحسرات عليه وكذا الآهات . . ولكن بعد عدة أيام قضاها السلطان بلا معشوقه ، تملكه الحزن والأسف من فعلته ، وضعف غضبه واشتد به العشق ، وأصبح الشبيه بالأسد في ضعف النملة من شدة العشق ، فقد كان يجالسه طوال الليل والنهار ، وكان مع الشبيه بيوسف غاية في السرور ، كما كان ثملا على الدوام من شراب الوصل ، فكيف يعرف الآن الاستقرار في خمار البحر ؟ وهكذا لم يعد يطيق الفراق لحظة ، وتفاقم الأمر ، واحترقت روحه من ألم الفراق ، وأصبح عديم الصبر لا يقر له قرار من الاشتياق ، كما سيطر النوم والأسى عليه ، وامتلأت عيناه بدمع دموي ، ونثر التراب على رأسه ، وأخيرا صنع ثوبا أزرق وارتداه ، وسيطرت الأحزان والهموم على دنياه ، ولم يعد يستسيغ طعاما بعد ذلك أو شرابا ، كما تطاير النوم من عينيه جزعا واضطرابا . . وعندما أقبل الليل خرج السلطان قاصدا المقصلة وقد تخلى عن الكل ، فقد ذهب وحيدا إلى مقصلة الغلام ، فهاجته ذكرى ذلك الغلام ، وما أن هاجته ذكرى حاله معه واحدة واحدة ، حتى أطلقت كل شعرة منه صيحة وآهة ، وقد سيطر على قلبه ألم بلا نهاية ، حتى كان يعقد مأتما جديدا في كل لحظة ، وكم كان يئن ويتوجع على روح الفقيد وكم اكتسى وجهه بالدم من الألم والكمد ، وكان يلقي بنفسه وسط تراب الطريق ، كما كان يعض من الغيظ ظهر كفه ، وإذا قدر وأحصى شخص ما ذرف من دمع ، لكان أكثر غزارة من مائة مطر منهمر ، وظل يقضي ليلة بأكمله وحيدا حتى الصباح ، وكان كالشمعة يعيش بين الدموع والاحتراق . . وكلما هبت نسائم الصباح ، توجه السلطان صوب أسيره ؛ فكان يمضي بين الرماد والأتربة ، وتنهال المصائب عليه في كل لحظة ، وما أن