بإشراقة تامة . وما أن أقبل الصبح وهبت نسائم الصباح ، حتى فقد الغلام كل وعيه مما به من سكر ، وما أن نام الغلام العالي المنزلة ، حتى أسرعن بحمله إلى مكانه مرة أخرى .
ما أن ثاب الغلام الفضي الصدر إلى رشده آخر الأمر ، حتى تملكه الاضطراب ولم يعلم حقيقة ما حدث له ، وكيف حدث ما حدث ، ولكن أي جدوى له من الاضطراب ؟ وعلى الرغم من أنه لم يصب بأي آلام أو مضرة ، فقد تصبب عرقا من الرأس إلى القدم ، فضرب بيده ثوبه ومزقه ، واقتلع شعره ، ونثر التراب على رأسه ، فسألوه عن القصة فقال :
إنني لا أستطيع ترديد ما حدث ، لأن ما رأيته وأنا ثمل نشوان ، لا يمكن أن يراه في منامه أي انسان . وتلك الأمور التي تركتني في وحدتي حيران ، لا أعلم أنها حدثت لإنسان ، وما رأيته لا أستطيع التعبير عنه ، ولا يوجد سر أعجب مما حدث .
فقال الجميع : ثب إلى رشدك في النهاية . واذكر ولو قليلا من الكثير الذي رأيته .
فقال : لقد ألم بي العجز كأي مضطرب ، ولا أعلم هل رأيت كل ذلك ، أم رأيت شيئا آخر ؟ كما أنني لا أعلم هل رأيته مما بي سكر ، أم سمعته وأنا في صحو ورشد ؟ وهل سمعت كل شي أم لم أسمع شيئا ؟ وهل رأيت كل شي ، أم لم أر شيئا ؟
فقال له أحد العقلاء : لقد رأيت حلما ، فلم يتملكك الاضطراب والجنون ؟
قال : لا أعلم إذا كان ما رأيته في عالم الوهم أو في عالم اليقظة ، ولا حال أعجب من هذا في الدنيا ، فهذه حالة لا واضحة ولا خفية ، ولا أستطيع القول ، كما لا أستطيع الصمت ، وأنا في دهشة بين هذا
منطق الطير — صفحة 399
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٩٩