عرش ونثرن عليه ماء الورد والمسك .
وفي منتصف الليل عندما بات الغلام نصف مفيق ، فتح عينيه الشبيهتين بالنرجسة عن آخرهما ، فرأى قصرا يشبه الفردوس في روائه ، ورأى عرشا ذهبيا يحيط به ، وقد اشتعلت عشر شموع عنبرية أكثر مما تشتعل أعواد الحطب ، وشغلت الفتيات بالطرب والإنشاد ، حتى ودع العقل الروح ، وودعت الروح الجسد . وكانت الفتاة تجلس وسط الجمع كأنها الشمس بفعل نور الشمع ، فجلس الغلام يتملكه السرور والفرح ، وفقد نفسه أمام طلعة الفتاة ، وظل حائرا فاقدا العقل والروح ، بعيدا عن إدراك هذا العالم أو ذاك ، وامتلأ قلبه عشقا ، وعجز لسانه عن النطق ، وأدركت روحه الحال من الذوق ، وتعلقت عيناه بوجه الفتاة وأنصتت أذناه إلى صوت الألحان ، وتنسمت مشامه رائحة العنبر .
وأخيرا خرجت أنفاسه أكثر لهيبا من النار ، فأسرعت الفتاة وأعطته كأس خمر في الحال ، كما جعلت القبلة نقل الشراب « 1 » ، فظلت عينه معلقة بطلعتها ، ودهمته الحيرة من التطلع إلى وجهها ، ولما لم ينطق لسانه بكلمة ، ذرفت الفتاة الدمع ، وحكت رأسها جزعا ، وهكذا ظلت الفتاة الفاتنة تذرف الدمع غزيرا منسابا على وجنتيها ، كما كانت تقبله قبلة كالسكر أحيانا أو تضع الملح في القبلة بلا شفقة أحيانا ، وأحيانا تداعبه بطرتيها المضطربتين ، وأحيانا تفقد نفسها في عينيه الساحرتين .
ظل الغلام الثمل أمام الفتاة الجذابة محدقا عينيه ، لكنه ليس في صحو ولا غيبة ، وظل الغلام على هذه النظرة ، حتى أقبل الصبح
هامش
( 1 ) كما يقول الشاعر العربي :وشربنا من المدام كئوسا * وجعلنا التقبيل نقل الشراب