بالألم بسبب الذوبان والحرقة والاشتياق ، وكان لها عشر مطربات من الجواري الحسان ، وكن على مرتبة عالية في ترديد الأغاني ، فكن في العزف كالبلبل الصداح ، ولحنهن الداودي كان يسعد الأرواح ، فشرحت لهن حالها في التو والحال ، وأقرت بفناء الاسم والشهرة والروح ، فكل من يتضح له عشق الأحبة ، كيف تستطيع روحه الاستقرار في موضعها ، وقالت :
إن أفصح للغلام عن عشقي ، يكن خطأ كبيرا ، لأن هذا بعيد عن الصواب . كما أن الحشمة تصيبني بالكثير من المضار ، وأنى لهذا الغلام أن يصل من مثلي ؟ وإن لم أفصح عن قصتي ، أمت خلف الحجب متألمة متأوهة ، لقد قرأت زهاء مائة كتاب أملا في الصبر ! فماذا أفعل ؟ لقد نفذ صبري كما أصبحت عاجزة . وما أبغيه من سروي القد ، أدرك أنه لا علم له به ، فإن يتم تحقيق مقصودي هذا ، فإن أمر روحي يكون وفق مرادي .
عندما سمعت المطربات هذا القول ، قلن لها : لا تحزني ! بالليل نحضره خفية أمامك ، ولن يكون لديه أي خبر عن ذلك .
وأخيرا ذهبت إحداهن متخفية أمام الغلام ، وقالت : الآن أقدم له الخمر والكأس وأضع في الخمر دواء مذهبا للعقل ، فلا جرم أن يسري في أوصاله فقدان الشعور .
ما أن احتسى الغلام ذلك الخمر ، حتى فقد صوابه ، وهكذا كلل سعي تلك الجارية الفاتنة بالنجاح ، وظل الغلام الفضي الصدر ثملا لا يعرف شيئا عن كلا العالمين ، وذلك طوال اليوم حتى المساء .
ما أن أقبل الليل حتى جاءت الجواري صوبه في حذر واضطراب ، ثم وضعنه في فراشه ، وحملنه خفية إلى تلك الفتاة ، وبسرعة أجلسنه على
منطق الطير — صفحة 397
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٩٧