« المقالة الحادية والأربعون » في وصف وادي الاستغناء ( 3558 - 3580 )
بعد ذلك يأتي وادي الاستغناء ، وهو خال من كل دعوى ومعنى ، وفيه تسرع الريح العاتية مما بها من قوة ، حيث تشمل كل إقليم في لحظة .
والبحار السبعة ما هي إلا بركة ماء هنا ، والكواكب السبعة ما هي إلا ومضة ضوء هنا ، وتكون فيه الجنات السبع في موت مطبق ، كما تصبح النيران السبعة فيه كالثلج المتجمد ، وفيه تصبح للنملة ويا للعجب ، قوة مائة فيل بلا أدنى سبب ، ولكي يصبح الغراب ممتلئ الحوصلة ، فلن يبقى أحد قط على قيد الحياة من مائة قافلة ، ولقد احترق مئات الألوف من الملائكة حتى أضاء مصباح لآدم . وخلت آلاف الأجسام من الروح ، حتى أصبح نوح نجارا في تلك الحضرة . وهجم العديد من البعوض على الجيش ، حتى سما إبراهيم فوق الجميع . وسفك دم العديد من الأطفال ، حتى أصبح كليم اللّه صاحب رؤية . وعقد مئات الألوف من البشر الزنار ، حتى أصبح عيسى محرم الأسرار . واضطرت مئات الألوف من الأرواح والقلوب ، حتى أدرك محمد ذات ليلة المعراج .
الجديد والقديم هنا لا قيمة لهما ، فلا ترغب في شيء هنا مطلقا ، وإن كنت قد رأيت الدنيا مكتوبة القلب ، فما رأيته ليس إلا حلما ، وإذا سقطت آلاف الأرواح في هذا البحر ، فكأنها قطرة ندى سقطت في هذا البحر اللانهائي ، وإذا استسلم مئات الألوف إلى النوم ، فإنهم يصبحون بفعل الشمس كذرة مع الظل ، وإذا تساقطت الأفلاك والأنجم قطعة قطعة ، فكأنما سقطت ورقة شجر واحدة في هذه الدنيا ، وإذا أصبحت الدنيا من البحر إلى القمر عدما في عدم ، فكأنما عرجت نملة في قاع بئر ، وإذا خرب العالمان دفعة واحدة ، فهب أن حبة رمل قد انعدمت من