تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣

حكاية ( 3595 - 3615 )

كان يوسف الهمداني يأمل في المسير ، وكان له صدر طاهر وقلب كبير ، وقد قال : لتسم دائما فوق العرش ، ثم اهبط بعد ذلك تحت الفرش . فكل ما كان وما يكون وما سيكون سواء أكان حسنا أو سيئا ، فليس إلا ذرة تافهة ، وهذا كله مجرد قطرة من بحر الوجود ، فلا جدوى من وجوده أو عدمه ، وليس هذا الوادي هكذا بسيطا سهلا ؛ يا سليم العقل ، بل أنت الذي تعتبره سهلا بجهلك ، يا سليم العقل ، حتى ولو أصبح البحر غاصا بدماء قلبك ، فلن تستطيع قطع سوى منزلة واحدة منه فقط ، وإن تتخل عن الدنيا في كل لحظة ، فستكون لك الخطوة الأولى إن تمعن النظر ، وما رأى شخص قط نهاية لهذه الطريق ، وما رأى شخص قط دواء لهذا الداء . فإن تتجمد كالحجر في الحياة . فأنت جيفة أو ميت ، وإن تسرع وتظل في عدو دائم ، فلن تسمع صوتا يدعوك للدخول مطلقا ، وليس الإسراع مقبولا منك ، ولا التوقف كذلك ، وليس الموت أفضل لك ، ولا الولادة كذلك . صعب ذلك الأمر الذي حل بك ، فما الفائدة ؟ إن أمرك صعب مشكل ، فما جدوى توقفك ؟ وسواء أكنت جامحا أو مطيعا ، أيها الخامل ؛ وسواء تخليت عن العمل أو اجتهدت فيه ، وسواء قلت بترك العمل أو بالسعي فيه ، وسواء أكان عملك قليلا أو كثيرا ؛ فلعلك تزاول العمل طالما العمل موجود ، حيث يلازمك العمل على الدوام ، وإن لا يتقدم أي شخص لمعالجة الأمر ، فما أطول ما أنت فيه من بطالة . واترك الأعمال التي كنت تعملها سلفا ، فسواء فعلتها أو امتنعت عنها . وكيف تدرك العمل ، وهو أمر لا يمكن إدراكه ، حتى ولو أدركته فمتى تستطيع مزاولة العمل ؟ تبين حقيقة عدم الاحتياج ، وأمعن النظر إلى الاستغناء ، سواء
منطق الطير — صفحة 383 | فريد الدين العطار النيسابوري / جمعة