« المقالة السادسة والعشرون » عذر طائر آخر ( 2280 - 2294 )
قال له آخر : إنني أخشى الموت ، فالطريق طويل وقد عدمت الزاد والقوت ، وهكذا يرهب قلبي الموت . إن روحي ستزهق في أول مرحلة ؛ حتى وإن أكن الآن سيد الأجل وذا حول وطول . وإن يحل الأجل ، أمت متألما متأوها ، فكل من يغالب الأجل بقوة السيف ، تصبح يده قلما ، ويتحطم ما بيده من سيف . وا أسفاه ، لن يبقى في هذه الدنيا من اليد والسيف غير الأسى ، فواحسرتاه .
قال له الهدهد : أيها الضعيف العاجز ، إلى متى ستبقى حفنة من عظام ؟ فيا من ستختلط ببعضها البعض ، ومن سيذوب عقله في عظامه ، أنت لا تعرف هل يطول عمرك أو يقصر ، وما الباقي من العمر إلا لحظات ، إلام نعيشها ؟ كما أنك لا تعرف أن كل فرد من بني البشر ، مآله التراب ، وكل ما بيده ستذروه الرياح ، فلقد ربيت لموتك ، وبعثت إلى الأرض من أجل حملك .
ما الفلك إلا طست مقلوب ، ويغص هذا الطست كل ليلة بالدم من الشفق ، فإذا مرت الشمس بسيوف أشعتها ، فإنها تلقي كل هذه الرؤوس المدببة في طستها ، وإن كنت قد أقبلت ملوثا أو طاهرا ، فما أنت إلا قطرة ماء وسط الثرى ، وإذا كانت قطرة الماء كلها آلام ، فكيف تستطيع منازلة البحر في عراك وخصام ، حتى ولو كنت ذا حول وطول طوال عمرك في الدنيا ، فستسلم روحك بكل حرقة وأسى .
* * *