وفي الليل رآه الزاهد في المنام ، وقد احتل مكانه في الجنة ، كما بدا وجهه ساطعا كالشمس ، فقال له الزاهد : أيها الغلام ، من أين لك في النهاية هذا المقام ؟ لقد غرقت ما حييت في آثامك ، وتلوثت بالخطايا من رأسك إلى قدمك .
قال : لقسوتك رحمني اللّه ، أنا المضطرب الوله ، فانظر إلى الحكمة التي تتولد من المحبة ، إنها تصنع الإنكار ، كما تصنع الرحمة .
وفي ليلة حالكة السواد كجناح غراب ، ترسل حكمته طفلا ممسكا بمصباح وهاج ، ثم ترسل بعد ذلك ريحا عاتية ، وتقول لها : اطفئي مصباحه ، وامضي . ثم تمسك بالطفل وسط الطريق ، قائلة له : لماذا أطفأت المصباح ، أيها الجاهل ؟
من ذا يمسك بالطفل يحاسبه ، فإنه يعاتبه بكل شفقة ومحبة . وإن جاز أن يقتصر عمل الجميع على الصلاة ، لجاز أن تقتصر حكمته على المجاز ، وإذا كانت حكمته لا تتم إلا هكذا ، فلا جرم أنه بلغ هذه المنزلة هكذا .
في طريقه توجد مئات الألوف من مظاهر الحكمة ، وكل قطرة من تلك الحكمة بحر من الرحمة ، ودورة النهار والليل في هذه الأيام ، تتم من أجلك ، أيها الغلام ، وطاعة الملائكة من أجلك ، والجنة والنار صورة من لطفك وقهرك . وقد سجد جميع الملائكة لك ، وغرق الكل والجزء في وجودك ، فلا تكثر من النظر بازدراء إلى نفسك ، إذ لا يمكن أن يوجد من هو أعظم شأنا منك .
جسمك جزء ، أما روحك فهي كل الكل ، فلا تجعل من نفسك عاجزا في عين الذل ، فما أن رحل كلك حتى ظهر جزؤك ، وما أن ولت روحك حتى بدت أعضاؤك . لا ينفصل الجسد عن الروح ، ويكون
منطق الطير — صفحة 261
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٦١