حكاية ( 1898 - 1912 )
اختفى الشبلي « 1 » فترة من بغداد ، فسيطر الاضطراب على حال مريديه ، وبحثوا عنه كثيرا في كل مكان ، فرآه شخص في بيت فسق ومجون ، وقد جلس وسط أولئك الفجرة دامع العينين ، وبشفة صادية ، فقال له : أيها العظيم الباحث عن السر ، أهذا مكانك آخر الأمر ؟
قال : إن هؤلاء الفجرة الفسقة ، سائرون في طريق المعنى ، وليسوا رجالا ولا نساء ، وأنا مثلهم ولكن في طريق الدين ، ولست امرأة ولا رجلا أكثر منهم ، لقد ترديت في لؤمي وخستي ، لذا فإنني أخجل من آدميتي .
كل من آثر روحه ، جعل لحيته مفرشا لخوان حبيبه ، واختار ذل نفسه كالرجال ، ونثر العزة على المساكين ، لكن إن ترغب في أن تكون محط أنظار الخلق ، فأنت أسوأ من الصنم ، وإن يتفاوت مدحك وذمك لنفسك ، فأنت صانع صنم ، لأنها تقيم الصنم ، فإن تكن عبدا للحق ، فلا تكن صانع صنم ، وإن تكن جديرا باللّه ، فلا تكن آزريا ، وليس هناك بين الخاص والعام ، أفضل من مقام العبودية مقام ، فكن عبدا ، ولا تدّع أكثر من هذا ، وكن رجل حق ، فالعزة من اللّه ، فلا تبحث عنها لدى غيره ، وإن كانت مائة صنم تختفي في داخلك تحت الدلق ، فكيف تدعي أنك صوفي أمام الخلق . فيأيها المخنث لا ترتد أردية الرجال . ولا تجعل نفسك مضطربا على هذه الحال .
هامش
( 1 ) الشبلي : أبو بكر جحدر ، مالكي المذهب ، كان أول أمره واليا على دوماند ، ثم انصرف إلى الزهد ، اعتقل فترة بمستشفى المجانين ، وهو من أصحاب الشطحات ، لذا انتهى أمره بالقتل كالحلاج عام 247 ه . انظر تذكرة الأولياء للعطار ج 2 ، نشر نيكلسون ليدن 1907 م . س : 160 - 182 .