تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
لقد احترقت روحي لما ألم بك من اضطراب ، فلم أستطع تحمل الحرقة أكثر من هذا وراء تلك الحجب ، فاطرح هذه الحجب حتى أكون على بصيرة ، واعرض عليّ الإسلام حتى أسلك الطريق . ما أن عرض الشيخ الإسلام على الفتاة ، حتى ثارت الضوضاء بين جميع الأصحاب . وما أن أصحبت الفتاة من أهل العيان ، حتى ذرف الجميع بحارا من الدمع ، وفي النهاية بعد أن أدركت المعشوقة طريقها ، سرعان ما وجدت المعرفة ، وسرى ذوق الإيمان في قلبها ، ومن حلاوة الإيمان لم يعد يقر لها قرار ، وأحاطت بها الهموم دون أن يكون لها مواس ، فقالت : أيها الشيخ لقد وهنت طاقتي ، وما عدت أحتمل الفراق ، سأودع هذه الدنيا المليئة بالصداع ، فالوداع يا شيخ صنعان ، الوداع . فإذا نضب معين كلامي ، فاعف عني أنا العاجزة ، ولا تخاصمني . قالت الفتاة هذا القول وأسلمت الروح ، ونثرت على الحبيب ما تبقى لها من روح ، واختفت شمسها تحت الغيوم . وا أسفاه ، لقد تخلت عنها روحها ذات الهموم ، ولقد كانت في بحر المجاز مجرد قطرة ، فأسرعت بالعودة صوب بحر الحقيقة ، ونحن جميعا سنرحل عن هذا العالم كالريح . إنها قد ولت ونحن جميعا سنرحل كذلك ، ما أكثر ما يحدث مثل هذا في طريق العشق ، ويعرف هذا كل شخص أدرك العشق ، وكل ما يقال في الطريق في حيز الإمكان ، ففيه الرحمة واليأس والكفر والإيمان ، ولن تستطيع النفس إدراك هذه الأسرار ، كما أن النجس لا يستطيع أن ينال سبقا . ويجب أن يسمع هذا بإذن الروح والقلب ، لا أن يسمع بما صنع من الماء والطين اللازب . وفي كل لحظة تشتد المعركة بين القلب والنفس ، فأكثر من النواح ، فالحزن شديد وقاس .
منطق الطير — صفحة 240 | فريد الدين العطار النيسابوري / جمعة