مفرقه في ذلك الزمان ، وإلى الطريق أقبلت مئات الألوف من الطير ، فكانوا كمظلة تحجب نور الشمس والقمر ، ولكن ما أن بدا أول الطريق عيانا ، حتى علا صياحهم ووصل إلى القمر ، ووقعت هيبة الطريق في أرواحهم ، كما اضطرمت النار في أرواحهم ، وطاروا جميعا كل في إثر الآخر ، وتدافعوا بالأجنحة والقوادم والأرجل والرؤوس ، ونفض الجميع أيديهم من أرواحهم ، فثقيل حملهم وطويل طريقهم .
الطريق خال من السير ويا للعجب ! وهو بعيد عن كل شر وعن كل خير ، ويا للعجب ! ويسيطر عليه الهدوء والسكون ، ولا زيادة فيه ولا نقصان . فقال سالك له : لم يبدو الطريق هكذا خاليا ؟ قال الهدهد : ذلك من عز الباري .
حكاية ( 1591 - 1600 )
خرج با يزيد « 1 » ذات ليلة خارج المدينة ، فرأى كل شيء خاليا من ضوضاء البشرية وكان ضوء القمر ينير العالم ، حتى أوشك أن يحيل الليل نهارا من شدة ضيائه ، كما بدت السماء مزدانة بالنجوم ، وكان كل نجم منها في شأن مختلف ، وكم تجول الشيخ في الصحراء ، فما وجد شخصا يتجول بالفيافي والصحراء ، فسيطر عليه الاضطراب بشدة ، فقال يا رب : لقد سيطر الاضطراب على قلبي بقوة ، إن أعتابك ذات مكانة رفيعة ، فكيف تبدو من المشتاقين خالية ؟
هامش
( 1 ) بايزيد : أحد مشايخ الصوفية المشهورين ، توفي عام 261 ه . وهو الذي عبر عن فنائه واتحاده في ألفاظ وعبارات تمتاز بأنها من قبيل الشطحات الجريئة المسرفة في بعد الخيال وغموض المعنى بحيث لا يكاد القارئ يقف عليها ويأخذها على ظاهرها ، حتى يحكم عليها بمنافاتها للشرع ، وعلى قائلها بالكفر والضلال ، وهو أول من استحدث كلمة « السكر » : انظر الحياة الروحية في الإسلام للدكتور محمد مصطفى حلمي . . وانظر نفحات الأنس لجامي ، وتذكرة الأولياء للعطار . وغيرها من كتب التذاكر الصوفية .