تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
ذهب الرجل لما ألم به من مسرة ، وصاح فامتلأت السماء جلبة ، وأخبر جميع الرفاق وبشرهم ، وعزم على قطع الطريق ، فسار بأصحابه منتحبا مهرولا ، حتى أدركوا الشيخ لدى الخنازير ، فرأوا الشيخ مسرورا وسطها ، وكالنار لا يقر له قرار بينها ، وكان قد طرح الناقوس من فمه ، كما كان قد قطع الزنار من حول وسطه ، وألقى عمامة الشرك ، كما طهر قلبه من المسيحية . ما أن رأى الشيخ رفاقه من بعيد ، حتى رأى نفسه يتوسط لجة من نور ، وخجلا مزق الرداء الذي كان يرتديه ، وبيد العجز والذلة نثر التراب على رأسه ، وكان أحيانا يذرف دمعا داميا كالمطر ، وأحيانا ينفض يده من روحه الزكية ، وكانت حجب الفلك تحترق بآهاته ، كما كانت دماؤه تحترق حسرة على ما أصاب جسده ، وعادت إليه دفعة واحدة كل ما ضاع منه من حكمة وأسرار وقرآن ومعرفة ، عادت كلها إلى ذاكرته جملة ، وتحرر من الجهل والذلة ثانية ، وما أن اطلع على حاله ، حتى خر ساجدا منتحبا ، وتخضب كالوردة بدماء قلبه ، وتصبب عرقا من شدة خجله . لما رآه أصحابه على هذه الحال ، أخذوا بما أصابه من هموم وسرور ، فساروا صوبه حيارى ، ونثروا أرواحهم شكرا للّه . وقالوا للشيخ : يا من تكشفت الحجب أمامك ، لقد انقشع السحاب ثانية من أمام شمسك ، وولى الكفر من طريقك ، وحل الإيمان ، وانقضت عبادة أصنام الروم ، واستقرت عبادة الرحمن ، وتحركت أمواج بحر القبول ، حيث أصبح شفيعك الرسول . فوجب شكر عالم العالم في هذا الزمان ، فاشكر الحق ، فما أقساه من موقف محزن . والمنة للّه ، إذ أوجد وسط بحر القار ، طريقا واضحا كالشمس ، ومن يعرف كيف يجعل الظلمة نورا ، يعرف كيف يمنح التوبة للمكثرين الذنوب ، إذ عندما يشعل نار التوبة ، فإنها تحرق كل الذنوب ولا تذر .
منطق الطير — صفحة 237 | فريد الدين العطار النيسابوري / جمعة