سارت بين الصحارى والقفار ، وهي لا تعرف أين المسار ، وأخذت تشكو شدة عجزها واضطرابها ، كما أخذت تمسح التراب بوجهها . ثم صاحت قائلة : إلهي الكريم المسيّر للأمور ، إنني امرأة عاجزة عن إتيان أي أمر ، ولقد قطعت الطريق على رجل خليق بك ، فلا تقطع عليّ الطريق ، فقد كان جهلا مني ذلك ، ولتكف بحر غضبك عن الاضطراب ، لقد تصرفت بجهل وأخطأت ، فتجاوز عني ، وكل ما فعلته لا تؤاخذني به أنا المسكينة ، ولقد قبلت الدين ، فلا تقبلني مارقة بلا دين .
بالداخل أخبر الشيخ بحضور الفتاة المسيحية بالخارج ، وقيل له :
لقد تعرفت على أعتابنا واستقر أمرها على سلوك طريقنا ، فعد وتقدم صوب معشوقتك ، وكن رفيقا أنيسا لمحبوبتك .
عاد الشيخ في الحال من الطريق وكأنه الريح ، فدب الاضطراب مرة أخرى بين مريديه ، حتى قالوا له جميعا : ما هذا التهور ؟ وما هذه التوبة ثم العجلة والتسرع ؟ أتعود ثانية إلى العشق ؟ لعلك تبت توبة غير نصوح ! فشرح الشيخ لهم حال الفتاة ، حتى أقر كل من سمع ذلك بترك الروح . بعد ذلك عاد الشيخ وأصحابه إلى حيث توجد الفاتنة ، فرأوا وجهها في صفرة الذهب ، كما فقدت غدائرها لكثرة ما بالطريق من تراب . رأوها حاسرة الرأس حافية القدم ممزقة الثياب ، وقد رقدت كما يرقد الميت على التراب .
ما أن رأت الفتاة شيخها . حتى أصاب الإغماء الجريحة قلبها ، فما أن استسلمت الفتاة في إغمائها ، حتى نثر الشيخ دموع عينيه على وجهها ، وحينما وقع نظر المعشوقة على الشيخ ، انهمرت دموعها كسحابة الربيع ، وألقت عينها على عهد وفائه ، وطرحت نفسها بين يديه وقدميه ، وقالت :
منطق الطير — صفحة 239
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٣٩