تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
أحيانا ، ومن النحيب أحيانا ، وظلوا هكذا أربعين يوما وليلة بالتمام ، ولم يشيحوا مطلقا عن أول مقام ، وقضوا الأربعين ليلة دون نوم أو طعام ؛ وكذا الأربعين يوما دون خبز أو ماء ، ومن تضرع هؤلاء القوم الأطهار ، أصيب الفلك بالهياج والغليان ، وارتدى الملائكة في هبوطهم وصعودهم لباس المأتم الأزرق . وفي نهاية الأمر أصاب سهم دعاء ذلك المقدام هدفه ، فبعد أربعين ليلة كان ذلك المريد الطاهر ، يقيم في الخلوة ومن نفسه قد تطهر . وفي الصباح هبت عليه ريح مسكية ، فانكشفت الدنيا أمام قلبه واضحة جلية ، ورأى المصطفى مقبلا كالبدر ، وقد أسدل على صدره ذؤابتين سوداوين ، وكان ظل الحق باديا في شمس وجهه ، كما كانت كل مائة روح دنيوية تساوي شعرة واحدة منه ، جاء متهاديا في مشيته متبسما ، فكان يفني نفسه فيه كل من رآه ، وعندما رآه ذلك المريد قفز من مكانه قائلا : أعنّي يا رسول اللّه وخذ بيدي ، يا هادي الخلق بمشيئة اللّه ، لقد ضل شيخنا الطريق ، فاهده . قال المصطفى : يا من يتصف بعلو همته ؛ تقدم ، قد خلصت شيخك من ربقته . ولتجعل الهمة العالية شغلك ؛ ولا تنطق بحرف حتى تمثل أمام شيخك ، لقد كان يفصل الشيخ عن الحق من زمن مديد ، غبار ذو سواد شديد ، فرفعنا هذا الغبار من طريقه ، وما تركناه وسط ظلمته ، ومن أجل الشفاعة نثرت قطرات ندى كثيرة على كل زمانه . والآن وقد تلاشى الغبار من طريقه ، وحلت التوبة ، وولت المعصية ، فاعلم يقينا أن مائة عالم من المعصية ، تتلاشى من الطريق أمام زفرة توبة واحدة ، وإذا تحركت أمواج بحر الإحسان ، فإنها تمحو ذنوب الرجال والحسان . قال ( المصطفى ) له هذه الكلمات القليلة عن شيخه ، ثم اختفى من أمام نظره .