المقالة الثالثة عذر البلبل ( 725 - 735 )
أقبل البلبل الولهان نشوان ثملا ، ومن كمال العشق كان في حالة لا هي صحو ولا عدم ، وكانت صيحاته مفعمة بالمعان ، وخلف كل معنى كمن عالم من الأسرار ، فما أن رفع صوته بأسرار المعاني ، حتى ألجم ألسنة الطير جميعها . .
قال : ختمت عليّ أسرار العشق ، لذا أمضي ليلي كله ألهج بالعشق ، نواح الناي بعض حديثي ، ورنين القيثارة الخفيض آهاتي ، البساتين غاصة بصيحاتي ، وإلى قلوب العشاق سرت خفقات قلبي . في كل زمان أردد سرا جديدا ، وفي كل آونة أصدر لحنا جديدا . .
ما أن أصاب العشق روحي بجبروته ، حتى أصبحت بحرا مضطرب الأمواج ، وكل من رأى اضطرابي فقد رشده ، ولو كان في غاية الصحو أصبح ثملا ، وإن أعدم رؤية الخليل عاما طويلا ، ألذ بالصمت غير مبيح سري لأحد . ولما كان معشوقي في بداية الربيع ينثر على الدنيا أريج عطره ، فبه تكتمل سعادة قلبي ، وبطلعته أتخلص من اضطرابي .
وإن يعاود معشوقي الاحتجاب ، يصبح البلبل المضطرب قليل الكلام ، لذا فإن أحدا لا يدرك أسراري ، أما الوردة فهي المدركة أسراري بلا ريب . وهكذا أصبحت في عشق الوردة مستغرقا ، حتى فنيت عن نفسي فناء مطلقا . وكفاني ما يكمن برأسي من عشق الوردة ، وكفاني أن الوردة الجميلة معشوقي ، وليس للبلبل طاقة لإدراك السيمرغ ، حيث يكفيه عشق الوردة . .
إذا كانت الوردة العديدة الوريقات محبوبتي ، فأي بأس أن يكون