تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق الطير — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
مقره يعلو شجرة عظيمة الارتفاع ، ولا يكف أي لسان عن ترديد اسمه . تكتنفه مئات الألوف من الحجب ، بعضها من نور ، وبعضها من ظلمة ، وليس لفرد في كلا العالمين مقدرة حتى يحيط بشيء من كنهه ، إنه الملك المطلق ، المستغرق دائما في كمال العز ، ولكن كيف يطير الفهم إلى حيث يوجد ؟ وكيف يصل العلم والعقل إلى حيث يوجد ؟ لا طريق إليه ، حتى ولو كثر المشتاقون من الخلق إليه ، وإذا كان وصفه بعيدا عن فعل الروح الطاهرة نفسها ، فليس للعقل قدرة على إدراكه ، فلا جرم أن يحار العقل ، كما أن الروح تحار عن إدراك صفاته ، وهكذا تعمى الأبصار . ما أدرك عالم كماله ، وما رأى بصير جماله ، ولا طريق لكماله بين البشر ، وقد توقف الحجا ، فلا سبيل للنظر . إن تجمع أنصبة الخلق من ذلك الكمال وهذا الجمال ، فلن تزيد جميعها عن قبضة من خيال . فكيف يمكن سلوك الطريق اعتمادا على الخيال ؟ وأنى لك الوصول إلى القمر على ظهر سمكة . . إن مئات الألوف من الرؤوس تصير كرات هناك ، وما أكثر العويل والصراخ هناك . وفي طريقه تكثر البحار والقفار ، فلا تظن أن الطريق قصير ، بل يلزم رجل شجاع جسور لهذا الطريق ، وذلك لأنه طريق طويل وبحر عميق عميق . . ولأننا حيارى أمامه فسنسلك الطريق متعثرين ، فإن أدركنا منه علامة ، فهذا هو العمل ، وإلا فبدونه تعتبر الحياة عارا وكلها خلل ، ولكن كيف يتأتى للروح أن تعمل دون الأحبة ، فإن كنت رجلا ، فلا تكن روحك بلا أحبة ، ولسلوك هذا الطريق تلزم الشجاعة ، ونثر الروح ضرورة لهذه المنزلة الرفيعة ، فواجب عليك أيها الشجاع أن تتخلى عن الروح ، حتى يمكن القول بأنك خليق بالعمل ، فالروح لا تساوي شيئا إن كنت بلا أحبة ، فكن كالرجال وانثر روحك الغالية ، وإن تنثر الروح متشبها بالرجال ؛ فما أكثر ما سينثره عليك الأحبة من الأرواح .
منطق الطير — صفحة 186 | فريد الدين العطار النيسابوري / جمعة