احترق قلبك ؛ فيجب أن تكف عن السؤال شفتك ؛ ولن يعلم شخص قط تمام كنه ذرة واحدة ؛ فما أكثر ما تقول ، وما أكثر ما تسأل والسلام ، وفي ظريقه يظل الفلك متقلبا غير مستقر ؛ إذ لا يستقر دائما على أي مستقر ؛ وفي سلوكه يتملكه الاضطراب ؛ إذ أن طريقه حجاب في حجاب ؛ وسيظل الفلك أسير الحيرة في دورانه ، وأنّى له أن يدرك ما بداخل الحجاب . وهكذا قضى سنوات طوالا في اضطراب ، قضاها دائرا بلا إدراك حول هذا الحجاب . وإذا كان الفلك لا يدرك ما بداخل الحجاب من سر ؛ فكيف يرفع هذا الحجاب أمام أمثالك ؟
أمر العالم خليط من الحيرة والحسرة ، بل إنه حيرة في حيرة في حيرة ؛ وكل أمر فيه لا بداية له ولا نهاية ، مما أصاب السالكين بالعجز والحيرة ، والسابقون الذين جدوا في سلوك الطريق وفي تعقب هذا الأمر في كل وقت ؛ أصيبت أرواحهم بالحسرة وسيطر عليهم العجز والحيرة فانظر أولا ، ماذا حدث لآدم وكيف قضى عمره قرين الهم والحزن « 1 » . ثم انظر إلى نوح وما كان من أمر الطوفان ، لتدرك مقدار ما تحمله ألف سنة من الكفار « 2 » ثم انظر إلى إبراهيم ذي العزيمة القوية ، وقد جعلوا منزله
هامش
( 1 ) يرجع هذا الهم وذلك الحزن إلى غضب اللّه عليه وعلى حواء بعد أن استمعا إلى غواية إبليس وأكلا من الشجرة المحرمة ، وقد قال اللّه تعالى :« فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ، فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ، قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ، قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ »( الأعراف : 21 - 24 ) . .
( 2 ) تحمل نوح الكثير من عنت الكفار ، فتوجه إلى اللّه لينزل بهم العقاب« رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ ، يُضِلُّوا عِبادَكَ ، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً »نوح : 26 - 27 ، فأمره اللّه بإعداد الفلك لينجو من الطوفان الذي سيجعله خير عقاب للكفار :« وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ » . .هود : 37 . .