ستسلك ؟ وأي طريق إلى تلك الأعتاب يوصلك ؟ فقد أصبح خفيا ذلك الزمان الذي تبحث عنه عيانا ، كما أصبح عيانا ذاك الزمان الذي تبحث عنه خفيا . هكذا تبحث عن عيان فيتحول إلى خفاء ، وتبحث عن خفاء فيتحول إلى عيان ، وإن تبحث في كليهما فلن تجد له نظيرا ، حيث يكون خارجا عن نطاق هذا وذاك ، فلتكف عن البحث ؛ فما فقدت شيئا ، وكف عن الحديث فكل ما تقوله ليس إلا ثرثرة .
إن كل ما تقوله وما تعرفه نابع منك ، فلتعرف نفسك فقط ، لأن هذا الأمر أكبر مائة مرة منك ، ولتعرف اللّه باللّه لا بنفسك ، فالطريق إليه منه لا بعقلك ، كما أن وصفه لا يليق بالوصافين ، حيث لا يليق هذا الأمر بالفضلاء ولا بالسفلة ، فالعجز هنا مساو للمعرفة ، فما أحاط به شرح ، كما تنزه عن أي صفة ، ولا نصيب للخلق منه أكثر من الخيال ، ومعرفة أي خبر عنه ليس أكثر من محال ، وما قيل حسنا كان أم سيئا ، قد صدر من نبع الخيال دائما ، فهو يسمو على العلم ويخرج عن العيان ، لأنه في قدسيته بلا علامة مميزة ، وما أدرك إنسان أي علامة له ، غير أنه بلا نظير ، وما أدرك أي شخص حيلة غير نثر الروح ، وليس لشخص قط في الصحو أو السكر أن يدرك منه نصيبا ( إلا الذي ) ، فكل ما في العالم وأنت من بينها ، يمكنك إدراكه وفهمه إلا اللّه وحده ، وإذا لم يكن يوجد حيث يوجد الإنسان ، فأنّى تستطيع روح آدمية أن تصل إلى إدراكه ؟ إنه أسمى منزلة من الروح آلاف المرات ، لذا فهو يسمو عن كل ما أنطق به .
سيظل العقل حائرا في محبته ، كما تعض الروح الأنامل مما بها من عجز ، فما الروح إلا هائمة في إدراكه ، كما انفطر القلب فغص بالدماء ، فيا من عرفت الحق لا تقم مثل هذا القياس ، فلا أمر دون كيفية في القياس ، كما أن العقل والروح عجزا أمام جلاله ، حيث شل العقل وبهتت الروح ، وما أدرك نبي أو رسول أي جزئية من الكل فقد أقبلوا
منطق الطير — صفحة 145
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص١٤٥