جميعا عاجزين ساجدين على الثرى ، جاءوا قائلين : « ما عرفناك » « 1 » فمن أكون أنا حتى أتفاخر بمعرفته ؟ فما عرفه إلا من أنعم عليه بالمعرفة . .
إذا لم يكن لسواه في كلا العالمين وجود ، فبمن غيره يليق حبك وهواك ؟ لقد زخر البحر بالجواهر ، أما أنت فلن تعرف من هذا شيئا مهما ضربت أخماسا في أسداس ، وكل من لم يحظ بجواهر ذلك البحر ، صار عدما ، وما وجد من العدم إلا العدم ؛ فلا تقل ذلك ما لم تأتك إشارة بذلك ، ولا تتحدث عن شيء ما لم يأتك به بيان ، أما هو فلا تليق به الإشارة ولا البيان ، وليس لإنسان قط علم به ولا عرفان ، فتخل عن نفسك فهذا أصل الكمال ، وكفى ، وافن نفسك ، فهذا عين الوصال ، وكفى ، فلتفن نفسك فيه حيث في الفناء الخلود ، وكل ما عدا ذلك ضرب من الفضول ، ولتمض في طريق الوحدانية متجنبا الثنائية ، وليكن لك قلب واحد وقبلة واحدة وطريق واحد . .
فيا ابن الخليفة « 2 » ، يا من عدمت المعرفة ، عليك بالاتصاف كأبيك بالمعرفة ، إن كل ما خلقه الحق من عدم إلى وجود ، قد خرت كلها أمامه في سجود ، وما أن وصل خلقه إلى آدم في النهاية حتى ارتفعت مئات الحجب إعزازا له ، وقال له الحق : لتكن ، يا آدم ، بحر جود ، وسيقبل أمامك هؤلاء جميعا في سجود ، أما من أبي السجود فقد مسخ ولعن « 3 » ، وما أدرك هذا السر ، وما أن اسود وجهه ، حتى قال ، أيها المتعال لا تتركني في ضياعي ، ولتصلح من أمري . فأجابه الحق تعالى : أيها
هامش
( 1 ) إشارة إلى الحديث :
« ما عبدناك حق عبادتك ، وما عرفناك حق معرفتك » .
( 2 ) يعني بالخليفة آدم حيث قال تعالى :« وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . . »( البقرة آية 30 ) .
( 3 ) إشارة إلى قوله تعالي :« وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » . .( البقرة آية 34 ) . .