أيضا ، وما أصابت جميع الأرواح شيئا من ذاتك ، وقد نثر الأنبياء أرواحهم على تراب طريقك ، وإذا قدر للعقل أن يدرك أثرا من آثار وجودك ، فلن يستطيع مواصلة الطريق لإدراك كنهك ، ولما كنت الخالد الأوحد في الوجود ، فالفناء نصيب الجميع على الدوام .
فيا خفيا في الروح وأنت خارجها ، إن كل ما أقوله ليس أنت ، وهو أنت أيضا ، ويا من وقف العقل مشدوها أمام أعتابك ، لقد أفقدته الاتزان في المسير صوبك ، بك أرى العالم عيانا بالتمام ، ولكن لا أرى أي علامة منك في هذا العالم ، لقد استمد كل شخص منك علامة ، ولكنني - يا عالم الأسرار - لم أجد لنفسي منك أي علامة ، ومهما أمعن الفلك النظر بعيونه العديدة ، فما رأى ذرة تراب واحدة في طريقك ، وما رأت الأرض قط ذرة من ترابك ، مهما بعثرت من تراب على رأسها لهفة عليك . أما الشمس فطار عقلها شوقا إليك ، كما أخذت تمسح التراب بأذنيها كل ليلة شوقا إليك . والبدر يتناقص من جراء محبتك ؛ حتى أسلم الروح مرة كل شهر نثارا في طريقك ، أما البحر فقد سعى مشتاقا إليك ، فعاد صادي الشفة بعد أن كان بالماء زاخرا ، ووقفت مئات العقبات في طريق الجبل حيث غاصت أقدامه في الوحل حتى الوسط ، واضطرمت النار شوقا إليك ، وزاد لهيبها وحرقتها وكأنها فرس جامح ، وأقبلت الريح فاقدة اتزانها بسببك ، كما أقبل التراب معلقا على أكف الرياح . ونضب ماء النهر ، بعد أن فاض شوقا إليك . ووقف التراب على باب محلتك وذل الغبار يجلل مفرقه . . . وما أكثر قولي ما دمت لا تخضع لصفة ، وماذا أصنع ما دمت لا أستطيع المعرفة ؟ . .
إذا كنت أيها القلب طالبا ، فكن للطريق سالكا ، وتذود بالحذر ولتمعن النظر أمامك وخلفك . وأرقب من وصلوا إلى الأعتاب العلية من السالكين ؛ فجميعهم سلكوا الطريق متعاقبين . وفي كل ذرة في الطريق عقبة ، وخلف كل ذرة طريق جديد إليه ؛ فكيف يمكنك معرفة أي طريق
منطق الطير — صفحة 144
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص١٤٤