( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ) صورته صورة الاستفهام ،
والمراد به النفي ، تقديره : وليس أحد أحسن قولا ممن دعا إلى طاعة الله ، وأضاف
إلى ذلك أن يعمل الأعمال الصالحة ( وقال إنني من المسلمين ) أي : ويقول مع ذلك
إنني من المستسلمين لأمر الله ، المنقادين إلى طاعته . وقيل : معناه ويقول إنني من
جملة المسلمين ، كما قال إبراهيم : ( وأنا أول المسلمين ) . وهذا الداعي هو رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن وابن زيد والسدي . وقيل : هو وجميع الأئمة الدعاة الهداة إلى
الحق ، عن مقاتل وجماعة من المفسرين . وقيل : هم المؤذنون ، عن عائشة
وعكرمة . وفي هذه الآية رد على من قال أنا مؤمن إن شاء الله ، لأنه مدح من قال إنني
من المسلمين ، من غير أن يقرنه بالمشيئة . وفي هذه الآية دلالة على أن الدعاء إلى
الدين من أعظم الطاعات ، وأجل الواجبات . وفيها دلالة على أن الداعي يجب أن
يكون عاملا بعلمه ، ليكون الناس إلى القبول منه أقرب ، وإليه أسكن .
ثم قال سبحانه : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) قيل : معناه لا تستوي الملة
الحسنة التي هي الاسلام ، والملة السيئة التي هي الكفر . وقيل : معناه لا تستوي
الأعمال الحسنة ، ولا الأعمال القبيحة . وقيل : لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة ،
فلا يستوي الصبر والغضب ، والحلم والجهل ، والمداراة والغلظة ، والعفو والإساءة .
ثم بين سبحانه ما يلزم على الداعي من الرفق بالمدعو ، فقال : ( إدفع بالتي هي
أحسن ) [ خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إدفع بالتي هي أحسن ] ( 1 ) .
خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال إدفع بحقك باطلهم ، وبحلمك جهلهم ، وبعفوك
إساءتهم . ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) معناه : فإنك إذا دفعت
خصومك بلين ورفق ومداراة ، صار عدوك الذي يعاديك في الدين ، بصورة وليك
القريب ، فكأنه وليك في الدين ، وحميمك في النسب . وروي عن أبي عبد
الله عليه السلام : إن الحسنة التقية ، والسيئة الإذاعة .
( وما يلقاها ) أي وما يلقى هذه الفعلة ، وهذه الحالة التي هي دفع السيئة
بالحسنة ( إلا الذين صبروا ) على كظم الغيظ واحتمال المكروه . وقيل . إلا الذين
صبروا في الدنيا على الأذى ، عن أبي عبد الله عليه السلام . ( وما يلقاها ) أي وما يلقى
هامش
( 1 ) ما بين المعقفتين زائد .